الفرصة سانحة لمفاوضات مباشرة... ألم يحن الوقت؟
هشام لبكي*
بعد معارك دامية استمرت لثلاث وعشرين سنة، وبالتحديد في السنة السادسة هجرية (628 ميلادية)، اضطرّ رسول الله النبي محمد مرغماً لتوقيع اتفاق تاريخي مع المشركين عبدة الأصنام الذي عُرف بصلح "الحديبية"، نسبة لوادي الحديبية قرب مكة المكرمة بين المسلمين ومشركي قريش.
وعند التوقيع، امتنع سهيل بن عمرو، ممثل قريش، عن التوقيع لاعتراضه على صيغة البسملة (باسم الله الرحمن الرحيم) وعلى وصف النبي محمد "رسول الله". عندها استجاب الرسول الكريم وأمر علي بن أبي طالب أن يمحو العبارتين واستبدالها فقط بـ"محمد بن عبد الله" فكان عمل رسول الله هذا قمة في التواضع وذلك حقناً للدماء.
ألم يحن الوقت؟
وهنا ندخل في صلب الموضوع لنسأل: ألم يحن الوقت أيها الشعب اللبناني الكريم عموماً وشيعة لبنان خصوصاً أن نأخذ العبر من اتفاق صلح تم بين الرسول وعبدة الأصنام ونذهب حقناً لدماء سيلت ولا تزال منذ سنة 1948 وحتى اليوم لمفاوضات واتفاق يحفظ كرامة الشيعة خصوصاً وباقي اللبنانيين عموماً؟
إذا كان رسول الله قد وقّع اتفاق سلام مع عبدة الأصنام، فما بال التوقيع مع من هم من أهل الكتاب، عنيت بهم اليهود!
لا شك بأن الإسرائيليين قد ارتكبوا الموبقات والمجازر في لبنان، وذلك باعتراف الجميع. ولا شك أيضاً بأن لديهم أطماعاً، ولكن أثبتت الأحداث التي سأسرد بعضها أنه ليس هناك أطماع للإسرائيليين في الدول العربية عموماً كمصر والأردن ولبنان خصوصاً، باسثناء فلسطين وسوريا حتى إشعار آخر، وهذه بعض الأحداث التي لا بد لنا من استذكارها.
في ما يتعلق بمصر: تم احتلال صحراء سيناء سنة 1967 من قبل الإسرائيليين والتي تبلغ مساحتها 66 ألف كيلومتر مربع، أي ما يعادل ستة أضعاف مساحة لبنان وثلاثة أضعاف مساحة إسرائيل. ظلّ حلم العودة إلى سيناء يراود قادة الحركة الصهيونية الأوائل وعلى رأسهم تيودور هرتزل.
ففي المرويات التوراتية، تظهر مصر كأرض ارتبطت بمسيرة أنبياء إسرائيل من إبراهيم إلى يوسف إلى موسى، وتحتل سيناء موقعاً مركزياً في هذه الرواية، إذ تُصوّر "كأرض التَيه" التي تجوّل فيها بنو إسرائيل أربعين عاماً. من هذا المنطلق، يرى الفكر الصهيوني أن لليهود جذوراً تاريخية في سيناء وامتداداً طبيعياً وحيوياً لإسرائيل.
وفي سنة 1982 ومن بعد أن كانوا قد بنوا 18مستوطنة في سيناء المحتلة، أعادت إسرائيل أرض سيناء لمصر وفقاً لاتفاقية السلام التي وُقعت سنة 1979، وأعادتها بالمفاوضات وليس بالمقاومة أو بالأعمال الحربية.
وهذا ما حصل بالتمام مع الأردن الشقيق الذي يُعتبر مدى حيوياً مباشراً لإسرائيل. أليس السيد المسيح قد تعمد في الأردن؟ رغم ذلك أعادت إسرائيل من خلال المفاوضات وليس بالمقاومة، كامل أراضي الأردن ضمن اتفاقية وادي عربة سنة 1994.
لبنان...
أما في ما يتعلق بلبنان، فنسمع ونقرأ في الصحف والمناظرات التلفزيونية عن أطماع إسرائيل في أراضي لبنان ومياهه، وأن إسرائيل تريد ابتلاع الجنوب (الذي لن نتخلى عن سنتمتر واحد منه) وأنها تريد مياه الليطاني…
أولاً: عندما كانت إسرائيل تحتل نصف مساحة لبنان ومن ضمنها العاصمة بيروت، أبرمت اتفاق سلام مع لبنان سنة 1983، الذي عُرف باتفاق 17 أيار/مايو. وقعت الحكومة اللبنانية هذا الاتفاق وعلى رأسها المرحوم شفيق الوزان (رئيس الحكومة السنّي) هذه الحكومة التي تضم مختلف الطوائف اللبنانية، كما وقع على الاتفاق المذكور مجلس النواب بأكثرية 65 نائباً (الموقعون من كل الطوائف)، وُقّع الاتفاق بأغلبية الشيعة وعلى رأسهم رئيس مجلس النواب (الشيعي) المرحوم كامل الأسعد. ورغم أن الاتفاق قد تم إسقاطه، فقد تبينّ أن لبنان لم يكن مجرد طرف خاضع للإملاءات الإسرائيلية خلال مفاوضات 82-1983، بل فاعلاً تفاوضياً. فقد كشفت الوثائق عن وجود تباينات جوهرية بين حكومتي الرئيس أمين الجميل ومناحيم بيغن بشأن قضايا أساسية ومن بينها الأمن في الجنوب ومصير جيش سعد حداد وطبيعة العلاقات الثنائية.
كما أن الاتفاق لم يمنح إسرائيل أي صلاحيات تتعلق بتوجيه السياسة الخارجية اللبنانية ولا منحها حق تثبيت وجود عسكري في الجنوب ولا تم إعطاؤها طلباً شرعياً للأنشطة الاستخباراتية أو عمليات خارج الحدود.
وقد كذبت الوثائق أيضاً الادعاءات المتعلقة بوجود أطماع إسرائيلية في الأراضي أو الموارد المائية اللبنانية، ما يستدعي إعادة تقييم هذه المسألة في ضوء النقاشات الراهنة حول مستقبل العلاقات اللبنانية الإسرائيلية.
وللعلم فإن حقل كاريش الذي تبلغ مساحته 850 كيلومتراً مربعاً والذي يُقدّر باحتياطات تبلغ حوالي 103 إلى 1075 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي، كان ضمن السيادة اللبنانية في اتفاق 17 أيار/مايو ولم تطالب به إسرائيل حينها، والذي عاد وتخلى عنه لبنان سنة 2022 بعدما قام بتوقيع الاتفاق رئيس الجمهورية اللبنانية العماد ميشال عون، لأسباب بقيت مجهولة لغاية تاريخه، وهذا الاتفاق ما كان ليتمّ لولا موافقة الثنائي الشيعي.
في سنة 2000 أبلغت إسرائيل الأمم المتحدة قرارها بالانسحاب من جنوب لبنان. وبدأت المراسلات الديبلوماسية حول آلية الانسحاب بوساطة الأمم المتحدة. فلو كانت إسرائيل لها مطامع في قضم أراضي الجنوب، لما كانت انسحبت، لا بل أكثر من ذلك لكانت عززت دور جيش لبنان الجنوبي. واستطراداً لو كانت نية الضم موجودة، لكانت جنّست سكان الشريط الحدودي أو طردتهم.
لست هنا بمعرض الدفاع عن إسرائيل، حتماً إنها تتّبع سياسة إجرامية حتى لو كانت تحت ستار الدفاع. ونعم لدى إسرائيل أطماع في الهيمنة الاقتصادية والتجارية وهيمنة أمنية، ولكن في رأيي إن احتلالها للجنوب اليوم هو ليس للاستيطان، بل سيكون حتماً في صلب المفاوضات بين لبنان وإسرائيل كأرض مقابل السلام، آملاً من المفاوض اللبناني عدم التفريط بأي حق للبنان على المستويات كافة.
الفرصة سانحة اليوم لمفاوضات مباشرة، دعونا لا نفوّتها واتركوا ما لفلسطين لفلسطين وما لقيصر لقيصر.
*رئيس بلدية بعبدات (لبنان)
- المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية