الفرقة العاصية
أربعون عاصي هذا الأسبوع. أربعون عاما غاب وهو هو حيّ فينا، هو وعبقره وفنونه وأدوات سحره، القمر والليل وعطر الليل وصوت آتٍ من سهر الليالي، يكنّى فيروز، تمييزا له عن سائر الجواهر.
عاصي كان آدم الجنّة الرحبانية. في البدء كان هو. وهو خلف منصور وزياد وفيروز وأدراج بعلبك وصوت الموسيقى، ومن كثرة ما ذرف نغما وشجى وسوسنات غاشية من العبقرية، تعب وودّع وغاب.
كان نبعا من العبقريات وجوقة من الفنون. فرقة بأكملها، أولها محاكيا لشدو البزق وآخرها لصناجة العرس. عالم خلّاق براق مثل طفل طافح بالسعادة، يلهو بخدّي أبيه مطمئنا إلى أنه يملك على الزمان وغدرات الزمان.
غاب مثل طفل وهو يلهو بالأشكال التي رسمها لنا. رسم بيتا وحديقة وحملا وسربا من البلابل وجاء لهم بـ"سبع" من بين الموصل والرقة، محاطا بالضحك والهبل وفرح الرعاة الأزلي. تذاكر. تذاكر والغنمات وطزطزات فيلمون المذهل، وكان أيضا من مواليد عاصي. برج عبقر.
كيف يكون المرء بوليس بلدية في أنطلياس وشجرة يتساقط منها الشعر وموسيقى الموسيقى؟ كيف؟ وكيف يكون الشاعر روائيا والروائي غنائيا والغنائي عاشقا والعاشق أصمعيا يدندن في الحقول، صوت صفير البلبل؟
ماذا يبقى من مذهلاتك؟ كل شيء. بعد أربعين عاما تتحول آثارك إلى أسفار. لم تعش طويلا، لكنك كما في إبداعاتك، لم تغب.