الفصائل العراقية تلوّح باستئناف الهجمات... وبغداد تحاول الابتعاد عن التصعيد الإيراني - الإسرائيلي
تعود المخاوف الأمنية والسياسية إلى الواجهة في العراق مع تصاعد التهديدات الصادرة عن عدد من الفصائل المسلحة الموالية لطهران بشأن إمكان الانخراط مجدداً في المواجهة العسكرية المتجددة بين إيران وإسرائيل، ولا سيما في حال توسع نطاق الصراع وتدخلت الولايات المتحدة بشكل مباشر لصالح تل أبيب. وتأتي هذه التهديدات في وقت تشهد فيه المنطقة واحدة من أكثر مراحلها توتراً وتعقيداً منذ سنوات، وسط تحذيرات من أن أي تحرك عسكري من داخل الأراضي العراقية قد يضع البلاد مجدداً في قلب صراع إقليمي مفتوح تتجاوز تداعياته الحدود الجغرافية والسياسية.
الفصائل ترفع سقف التهديد
وتتصدر فصائل بارزة، من بينها "كتائب حزب الله" و"كتائب سيد الشهداء" و"حركة النجباء"، واجهة المواقف الداعمة لإيران، إذ أعلنت هذه الفصائل بشكل صريح استعدادها للدخول في أي مواجهة عسكرية إلى جانب طهران إذا ما تعرضت لهجمات واسعة أو إذا شاركت واشنطن بشكل مباشر في العمليات العسكرية. ويعكس هذا الخطاب استمرار ارتباط عدد من الفصائل العراقية بمحور إقليمي أوسع، ما يثير مخاوف متزايدة من إمكان استخدام الساحة العراقية مرة أخرى منصة للردود العسكرية المتبادلة أو لتصفية الحسابات بين القوى المتصارعة.
تحركات حكومية لاحتواء التصعيد
في المقابل، تتحرك الحكومة العراقية على أكثر من مستوى لمنع انزلاق البلاد نحو مواجهة جديدة. وبحسب ما كشفت مصادر عراقية مطلعة لـ"النهار"، فإن "رئيس الوزراء علي الزيدي يجري سلسلة من الاتصالات والمشاورات المكثفة مع قوى سياسية نافذة وشخصيات مؤثرة داخل الإطار التنسيقي تمتلك قنوات تواصل مباشرة مع قيادات الفصائل المسلحة، في محاولة لاحتواء الموقف ومنع أي خطوات قد تؤدي إلى توسيع دائرة الصراع. كما تسعى بغداد إلى تأكيد موقفها الرسمي القائم على النأي بالعراق عن النزاعات الإقليمية وحصر القرار الأمني والعسكري بيد الدولة ومؤسساتها الرسمية".
وتضيف المصادر أن "أي مشاركة عسكرية للفصائل العراقية في الحرب قد تستجلب ردوداً قاسية من إسرائيل والولايات المتحدة، بما في ذلك تنفيذ ضربات جوية تستهدف مقرات ومخازن أسلحة أو مراكز قيادة تابعة لتلك الفصائل داخل العراق، فضلاً عن احتمال العودة إلى سياسة الاغتيالات التي استهدفت سابقاً شخصيات وقادة بارزين ضمن الفصائل خلال جولات التصعيد الإقليمي الماضية. كما أن انخراط العراق في مثل هذا الصراع قد ينعكس سلباً على استقراره الداخلي واقتصاده وعلاقاته الخارجية، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى جذب الاستثمارات الأجنبية وتعزيز الاستقرار الأمني والسياسي".
وتؤكد المصادر أن "تهديدات الفصائل العراقية جدية وحقيقية، وهذا ما أبلغت به قنوات التواصل مع الزيدي، وأكدت أنها تراقب الحرب، وأن أي تدخل أميركي مباشر سيدفع إلى تكرار هجمات الفصائل ضد الأهداف والمصالح الأميركية داخل العراق وخارجه كما فعلت سابقاً".

تحذيرات من جر العراق إلى الحرب
وبين تهديدات الفصائل المسلحة وجهود الحكومة لاحتواء الأزمة، يبقى العراق أمام معادلة معقدة تتداخل فيها الحسابات المحلية مع التوازنات الإقليمية والدولية، وسط تساؤلات متزايدة حيال قدرة بغداد على تجنيب البلاد تداعيات حرب قد تتسع رقعتها في أي لحظة، وتحوّل الأراضي العراقية مرة أخرى إلى ساحة مواجهة بين القوى المتصارعة في المنطقة.
ويصف الخبير في الشأن الاستراتيجي والعسكري العميد الركن أعياد الطوفان، في حديث لـ"النهار"، التهديدات الصادرة عن بعض الفصائل المسلحة بالانخراط في الحرب بين إيران وإسرائيل بأنها "استخفاف خطير بمصالح العراق وسيادته"، محمّلاً الجهات التي تدفع نحو هذا المسار مسؤولية ما قد يترتب عليه من تداعيات، في بلد "دفع أثماناً باهظة جراء الحروب والصراعات خلال العقود الماضية".
وبرأي الطوفان، فإن الحديث عن فتح جبهات جديدة خارج إطار قرار الدولة "يضع مصالح محاور إقليمية فوق المصالح الوطنية، فيما يفترض أن يبقى قرار الحرب والسلم بيد المؤسسات الدستورية وحدها". ويأتي ذلك في وقت قد يؤدي فيه أي انخراط عراقي في المواجهة إلى "استهداف مواقع داخل البلاد، وإلحاق أضرار إضافية بالاقتصاد والاستقرار السياسي".
كذلك، يربط الخبير العسكري بين تصاعد هذه التهديدات ومحاولات تحويل العراق مجدداً إلى "ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية"، معتبراً أن الحفاظ على سلطة الدولة ومنع أي طرف من فرض أجندته بالقوة "يشكلان شرطاً أساسياً لإبعاد البلاد عن تداعيات الصراع المتصاعد في المنطقة".
ويختصر الطوفان موقفه بالقول إن "العراق ليس ساحة مفتوحة للحروب بالوكالة، ومن يحاول جر البلاد إلى أتون صراع إقليمي واسع يغامر بأمن أكثر من أربعين مليون عراقي ويعرّض مستقبل الدولة واستقرارها لمخاطر لا يمكن التنبؤ بنتائجها".