اللجوء إلى العرائض يفتح النقاش حول الديمقراطية التشاركية في المغرب
دفع “انسداد الأفق” أمام مجموعة من المطالب الاجتماعية في المغرب، على رأسها إلغاء العمل بتوقيت “غرينيتش+1” وتسقيف أسعار المحروقات، بمواطنين ونشطاء حقوقيين ومدنيين إلى تكثيف اللجوء إلى آلية العرائض، في ظل “عدم يقين حول الأثر النهائي”، بحسب أساتذة وباحثين في القانون الدستوري والعلوم السياسية.
ولم تكد تمضِ أسابيع على إطلاق عريضة وطنية للمطالبة بإلغاء “الساعة الإضافية” مدفوعة بتزايد تأييد هذا المطلب، حتى أُطلقت عريضة أخرى تدعو إلى تسقيف أسعار المحروقات عند 10 دراهم للتر، مع تفعيل ضريبة متحركة عليها. وكانت آخر عريضة قبل هاتين المبادرتين قد رامت، منتصف العام الماضي، إلغاء تسقيف سن اجتياز مباريات التعليم (الذي كان حينها 30 سنة).
ويؤكد الأساتذة والباحثون أن دينامية اللجوء إلى آلية العرائض، المكفولة دستوريا، تُواجه سؤال المآل، في ظل ما انتهت إليه مبادرة سابقة تتعلّق بمطلب “إطلاق صندوق دعم مرضى السرطان” من قبول حكومي من حيث الشكل ورفضٍ من حيث الموضوع.
انسداد الأفق
هشام الزوبير، أستاذ القانون العام والعلوم السياسية بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال بالرباط، قال إن “تقديم العرائض إلى السلطات العمومية هو حق يكفله الدستور للمواطنين والمجتمع المدني”.
وأبرز الزوبير، في تصريح لهسبريس، أن “دينامية إطلاق العرائض على المستوى الوطني تهم مواضيع تقع في صلب اهتمام وانشغالات الرأي العام، على رأسها ما يتعلّق بتسقيف أسعار المحروقات، حيث تقول الحكومة إنها اتخذت إجراءات لدعم الفاعلين في النقل والأسر، وإن الكرة الآن بيد مجلس المنافسة”، مبرزا أن “هذا الأخير يقوم حاليا بتتبع السوق”.
وبشأن عريضة الساعة الإضافية، لفت المصرّح لهسبريس إلى أنها “باتت محط مواقف متباينة بين مختلف الوزراء، فبينما أقرّت وزيرة الانتقال الطاقي بمحدودية أثرها في تقليص استهلاك الطاقة، اعتبرت وزيرة الانتقال الرقمي أنها تقع في صلب المصلحة العامة، وأن إلغاءها أو الإبقاء عليها طريق معقد يحتاج إلى مشاورات عدة”.
وأوضح الأستاذ الجامعي أن “اللجوء إلى العرائض سالفة الذكر يأتي في ظل انسداد الأفق أمام هذه المطالب الاجتماعية”، مبرزا أنها تأتي “في سياق حيث المعارضة لا تستطيع (المضي في هذا الاتجاه) بناء على القيود القانونية، والحكومة لا تتجرأ بناء على ميثاق الأغلبية”.
وذكّر بأن آلية مقترح القانون، التي هي بيد المعارضة للتحرك في هذا الإطار (مثلما هي بيد الأغلبية)، “في نهاية مسارها يجب أن تُعرض على مجلس حكومي، ومن هناك يُرفض أو يُتبنى، وقد لاحظنا أن مجموعة من مقترحات القوانين تمّ رفضها”.
وشدد على أنه في ظل ما تمّ توضيحه، “تبقى الطريقة الوحيدة للترافع عن المطالب المذكورة هي تفعيل الآلية الدستورية المتعلّقة بالعرائض، بغية إحراج الحكومة والبرلمانيين”.
سؤال التفاعل
ترى مريم أبليل، باحثة في القانون الدستوري والعلوم السياسية، أن “هناك بالفعل إشكالا في ما يتعلّق بإحساس المواطنين بأن المؤسسات التمثيلية تمثلهم حقا، وتعبّر عن مشاكلهم وهمومهم وتُدافع عن خياراتهم”.
وأضافت أبليل في تصريح لهسبريس: “لذلك، البحث عن آليات جديدة تمكن المواطنين من التعبير عن آرائهم السياسية، مثل العرائض، هو أمر مشروع ودستوري”، مشيرة إلى تبني المغرب “خيار الديمقراطية التشاركية”.
واعتبرت الباحثة في العلوم السياسية أنه “لا يمكن القول بنجاح هذه الديمقراطية التشاركية بالفعل كممارسة سياسية. ولكن هناك على الأقل محاولات جيدة”.
كما أبرزت أبليل أن “الإشكال يتعلّق بالمآلات ومدى تفاعل الجهات المعنية (سواء الحكومة أو البرلمان)”، مستحضرة “نموذج العريضة الوحيدة التي قُبلت لدى مجلس النواب، أي الخاصة بالمناصفة، لكن مسارها توقف ولم يتبنَّها أي طرف. كذلك نموذج عريضة إحداث صندوق لمرضى السرطان التي لم تجد تفاعلا جيدا في نهاية المطاف”.
وخلصت الباحثة في القانون الدستوري والعلوم السياسية إلى أن “ما يعطي في نهاية المطاف أثرا للمبادرات سالفة الذكر، هو التفاعل. لكنها تبقى عموما محمودة، حيث تمكن من الحفاظ على حيوية المجتمع وتحفيز الفعل المدني السياسي الواعي لتغيير الأوضاع”.
The post اللجوء إلى العرائض يفتح النقاش حول الديمقراطية التشاركية في المغرب appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.