المجتمعات المعاصرة بين التغيير والتقليد... نحو فهم دينامية الانتشار وإعادة تشكيل السلوك الجماعي
نزيه الخياط*
مدخل منهجي
لا تنتقل الأفكار والتحولات داخل المجتمعات البشرية بصورة ميكانيكية، لأن الإنسان لا يستقبل ما يحيط به بوصفه معطى محايداً ومنفصلاً عن بيئته النفسية والاجتماعية والثقافية. فكل فكرة جديدة تدخل إلى فضاء تحكمه الذاكرة الجماعية وأنظمة القيم وشبكات الانتماء والإحساس بالمكان والاستقرار. ولهذا فإن الانتشار لا يُفهم باعتباره مجرد تداول للمعلومات، بل باعتباره عملية اجتماعية يعاد خلالها تفسير الرسائل وتقييمها وإعادة إنتاجها داخل البيئة التي تستقبلها.
تكمن أهمية النموذج الذي قدّمه هاغرستراند وروجرز في أنّه كشف أنّ الانتشار لا يبدأ من قوة الرسالة وحدها، بل من طبيعة العلاقة بين المرسل والمتلقي، ومن درجة الانسجام أو التفاوت بين العالم الذي تنتج فيه الفكرة والعالم الذي يُطلب منه استقبالها. فكلما اتسعت الفجوة الإدراكية والثقافية والاجتماعية بين الطرفين، ازدادت احتمالات الرفض أو سوء الفهم أو إعادة إنتاج الرسالة بصورة مختلفة عن مضمونها الأصلي.
ولهذا فإن الانتشار لا يُقاس فقط بقدرة الرسائل على العبور بين المجتمعات، بل أيضاً بقدرتها على بناء شروط الفهم والاندماج داخل البيئة المستقبِلة، وإلا تحوّلت عملية الانتقال نفسها إلى مصدر للرفض أو لإعادة إنتاج المعنى بصورة مغايرة.
ومن هنا، فإن الانتشار لا يمثل مجرد انتقال للأفكار، بل عملية تفاوض مستمرة بين قوى التغيير والبنى التي تسعى المجتمعات عبرها إلى حماية توازناتها وأنظمة المعنى داخلها.
«استند هذا البحث جزئياً إلى نموذج الانتشار عند هاغرستراند وروجرز، مع إعادة قراءته ضمن مقاربة اجتماعية ـ إدراكية أوسع تتجاوز البعد التقني للابتكار نحو فهم آليات إعادة تشكيل السلوك والمعنى داخل المجتمعات».
أولًا: الابتكار بوصفه تحوّلاً في البنية الاجتماعية
غالبًا ما يُختزل مفهوم الابتكار في المجال التقني، غير أنّ التحولات الكبرى التي أعادت تشكيل المجتمعات البشرية لم تكن تقنية بالضرورة، بل مسّت أنظمة التفكير والقيم والعلاقات الاجتماعية وصور السلطة والانتماء. فالديانات، والثورات الفكرية، والتحولات السياسية، ووسائل الإعلام، كلها شكلت لحظات ابتكار أعادت تنظيم المجال الاجتماعي وإعادة تعريف علاقة الإنسان بالعالم وبالجماعة التي ينتمي إليها.
ولهذا فإن الابتكار لا يُقاس فقط بحداثته، بل بقدرته على تعديل التوازنات القائمة داخل المجتمع. فالفكرة الجديدة لا تدخل إلى المجال الاجتماعي بوصفها عنصراً محايداً، بل باعتبارها قوة قادرة على إعادة توزيع المعنى والشرعية والمكانة داخل الجماعة.
غير أنّ المجتمعات لا تستقبل التحولات بالطريقة نفسها، لأن كل مجتمع يعيد تفسير ما يصل إليه انطلاقاً من ذاكرته وبنيته الرمزية وشكل استقراره الداخلي. ولهذا قد تنجح تحوّلات معينة داخل بيئة اجتماعية محددة، بينما تواجه رفضاً حاداً داخل بيئات أخرى، حتى عندما تمتلك القيمة التقنية أو الفكرية نفسها.
وهنا تظهر إحدى القضايا الأساسية في دينامية الانتشار: فالمشكلة لا تكمن دائماً في مضمون الرسالة، بل أحياناً في التفاوت بين الشروط التي أنتجتها والشروط التي تستقبلها. فكل تحوّل يحتاج إلى حد أدنى من الانسجام بين الشروط التي أنتجته والبنية الاجتماعية التي تستقبله، وإلا تحول إلى عنصر توتر أو رفض أو إعادة تفسير قد تفرغه من مضمونه الأصلي.
وبهذا المعنى، لا يمثل الابتكار قطيعة كاملة مع البنى القائمة بقدر ما يمثل محاولة لإعادة التفاوض معها. فالمجتمعات لا تتحرك بين الثبات والتحول بصورة مطلقة، بل داخل توازن دائم بين الحاجة إلى التجدّد والرغبة في الحفاظ على الاستمرارية.
ثانيًا: الإدراك والهوية وإعادة تفسير التحولات
لا يدرك الإنسان الواقع بصورة مباشرة ومحايدة، بل عبر أنظمة تفسير تنتجها البيئة الاجتماعية والثقافية التي يعيش داخلها. فالهوية ليست مجرد انتماء رمزي، بل إطار ينظم علاقة الفرد بالعالم ويحدّد ما يبدو له طبيعياً أو مقبولاً أو مهدّداً للاستقرار.
ولهذا فإن استقبال أيّ تحوّل جديد لا يرتبط فقط بفعاليته أو منطقه الداخلي، بل بقدرته على الانسجام مع البنية الإدراكية التي تستقبله. فالمجتمعات لا تسأل فقط عمّا إن كانت الفكرة نافعة، بل عمّا إن كانت قابلة للاندماج داخل نظام المعنى الذي يمنح الجماعة شعورها بالتماسك والاستمرارية.
ومن هنا، فإن الرسائل التي تنتقل بين مجتمعات أو جماعات متباعدة ثقافياً وإدراكياً لا تصل كما أُنتجت، بل يعاد تفسيرها وفق المرجعيات المحلية للجماعات المستقبِلة. ولهذا فإن الانتشار لا يعمل فقط على نقل الأفكار، بل يعيد تشكيلها أثناء انتقالها. والرفض نفسه لا يمثل دائماً انغلاقاً أو جموداً، بل قد يكون أحياناً تعبيراً عن محاولة الجماعات حماية توازناتها الرمزية أو الدفاع عن استمرارية نظام المعنى الذي تنظم عبره علاقتها بالعالم.
والإدراك الاجتماعي لا يتكوّن بصورة فردية خالصة، بل عبر الإعلام والتعليم والخبرة الجماعية وشبكات العلاقات اليومية. ولهذا قد تتشكل داخل المجتمع الواحد قراءات متعارضة للواقع نفسه، إذ تصبح عملية الانتشار جزءاً من الصراع على الشرعية والمعنى، لا مجرد عملية تداول للمعلومات.
وتزداد هذه الدينامية تعقيداً عندما تتداخل مع الجغرافيا والإحساس بالمكان. فالمكان ليس إطاراً مادياً فقط، بل فضاء يحمل ذاكرة وانتماءً وحدوداً رمزية تحدد علاقة الجماعات بعضها ببعض وبالعالم الخارجي. ولهذا فإن المجتمعات المنقسمة جغرافياً أو هوياتياً تكون أكثر عرضة لتحوّل التغيير إلى مصدر استقطاب بدل أن يتحوّل إلى عنصر اندماج.
وهكذا، فإن الانتشار لا يتحرك داخل فراغ اجتماعي، بل داخل فضاءات مشبعة بالذاكرة والخوف والانتماء وإعادة إنتاج الهويّة.
ثالثًا: الإعلام والشبكات الاجتماعية وصناعة الواقع الجماعي
لم يعد الإعلام مجرد وسيلة لنقل الوقائع، بل أصبح أحد أهم الفاعلين في تشكيل الإدراك الجماعي وإعادة تنظيم العلاقة بين الإنسان والواقع. فالأفراد لا يبنون تصوّراتهم انطلاقاً من التجربة المباشرة فقط، بل عبر الصور والسرديات وأنظمة التفسير التي تنتجها وسائل الإعلام والشبكات الاجتماعية.
ومن هنا، فإن الانتشار لا يعتمد على مضمون الرسالة وحده، بل على الطريقة التي يُعاد بها تقديمها وتطبيعها داخل المجال الاجتماعي. فالفكرة لا تتحوّل إلى عنصر فاعل بمجرّد تداولها، بل عندما تنجح في اكتساب شرعية تسمح للجماعة بالنظر إليها باعتبارها جزءاً من الواقع الطبيعي.
غير أنّ الإعلام لا يلغي التفاوت بين المرسل والمتلقي، بل قد يعمّقه أحياناً. فالرسائل لا تنتقل كما أُنتجت، بل يعاد تفسيرها وفق البنية الإدراكية للجماعات المستقبِلة. ولهذا فإن كثافة التداول لا تعني دائماً نجاح الانتشار، لأن المجتمعات قد تتعامل مع بعض الرسائل بوصفها تهديداً لهويّتها أو لاستقرارها الرمزي.
والتحوّل الرقمي غيّر طبيعة الانتشار نفسه، إذ لم يعد الفرد مجرّد متلقٍ للمعلومة، بل أصبح منتجاً وناقلاً لها في الوقت نفسه. وهكذا تحوّلت عملية الانتشار إلى شبكة واسعة من إعادة إنتاج السرديات داخل المجال الاجتماعي، حيث تتداخل السلطة الإعلامية مع التأثير الجماعي والشبكات الرقمية والخوارزميات.
غير أنّ هذه الدينامية لم تؤدِّ دائماً إلى توسيع المجال المشترك، بل أسهمت أحياناً في إنتاج فضاءات إدراكية مغلقة تعيد الجماعات داخلها تأكيد قناعاتها الخاصة وعزل نفسها عن السرديات المنافسة. وهنا يتحوّل الانتشار من أداة للتواصل إلى آلية لإعادة إنتاج الانقسام. وعند هذه المرحلة، لا يعود الاختلاف مرتبطاً بمضمون الرسائل فقط، بل بطبيعة العوالم الإدراكية المنفصلة التي تعيد الجماعات داخلها إنتاج فهمها الخاص للواقع.
رابعاً: من التلقّي إلى الاندماج أو الرفض: مصير التحوّلات داخل المجتمع
لا يصبح أيّ تحوّل جزءاً من الواقع الاجتماعي بمجرد انتشاره معرفياً أو إعلامياً، بل عندما يتحوّل إلى ممارسة يومية يعيد المجتمع إنتاجها تلقائياً. فالفرق كبير بين معرفة الفكرة وبين إعادة تنظيم السلوك والعلاقات على أساسها.
ولهذا فإن التبنّي لا يمثل مجرد اقتناع فكري، بل عملية اندماج تدريجي داخل البيئة الاجتماعية. فالأفراد يميلون إلى تبنّي السلوكيات عندما يشعرون بأنها أصبحت جزءاً من المجال الطبيعي الذي يتحرّكون داخله، أو عندما تمنحهم شعوراً بالقبول والانتماء وعدم العزلة.
غير أنّ المسار المعاكس يبقى حاضراً بالقدر نفسه، إذ قد تتحول الرسائل الجديدة إلى عنصر رفض عندما تشعر الجماعات بأنّها تهدد توازناتها الرمزية أو تقلل من قدرتها على الحفاظ على الاستمرارية والهويّة.
غير أنّ هذه العملية تبقى مرتبطة بمدى الانسجام بين التحوّل الجديد والبنية الاجتماعية التي تستقبله. فالمجتمعات لا تتبنى التحوّلات بصورة مستقرة عندما تشعر بأنها مفروضة من خارج عالمها الرمزي أو غير قابلة للترجمة داخل شروطها الثقافية والاجتماعية.
ولهذا فإن بعض التحولات قد تنتشر بسرعة على المستوى الشكلي، لكنها تبقى هشة لأنها لم تنجح في بناء اندماج فعلي داخل المجال الاجتماعي. وفي حالات أخرى، يعاد إنتاج التحول بصورة مختلفة عن صيغته الأصلية كي يصبح أكثر قابلية للتكيّف مع البيئة المستقبِلة.
وعندما يصل التبنّي إلى مرحلة يتحوّل فيها المتلقي نفسه إلى ناشر جديد للتحوّل، تبدأ الأفكار والسلوكيات بإعادة تشكيل المجال الاجتماعي بصورة أعمق. فعند هذه اللحظة، لا يعود المجتمع مجرد مستقبل للتغيير، بل يصبح مشاركاً في إعادة إنتاجه وتوسيع دلالاته وإعادة تعريف معانيه داخل الحياة اليومية.
الاستنتاج: المجتمعات بوصفها فضاءات دائمة للتفاوض مع التغيير
تكشف دينامية الانتشار أنّ المجتمعات البشرية لا تتحرّك وفق انتقال ميكانيكي للأفكار أو التقنيات، بل ضمن عملية معقدة يعاد خلالها إنتاج معنى التحوّلات وحدود قبولها داخل البيئة الاجتماعية نفسها. فالرسائل لا تنتقل بين البشر كما تنتقل الأشياء المادّية، لأن كل مجتمع يعيد تفسير ما يصل إليه انطلاقاً من ذاكرته وهويّته وشكل علاقاته الداخلية وإحساسه بالاستقرار والاستمرارية.
وبناءً على ذلك، فإن نجاح التحوّلات لا يرتبط فقط بقوة الأفكار أو كثافة تداولها، بل بقدرتها على بناء انسجام نسبي بين العالم الذي أنتجها والعالم الذي يستقبلها. فكلما اتسعت الفجوة بين الطرفين، ازدادت احتمالات الرفض أو التشويه أو إعادة إنتاج الرسالة بصورة مختلفة عن مضمونها الأصلي.
ولهذا فإن الانتشار لا يمكن فهمه بوصفه انتصاراً تقنياً للمعلومة أو للابتكار، بل باعتباره قدرة على بناء قابلية اجتماعية للاندماج وإعادة التفسير داخل المجال المستقبِل. فالمجتمعات لا تتبنّى التحوّلات لأنها جديدة فقط، بل لأنها تنجح تدريجاً في التحوّل إلى جزء من نظام المعنى الذي يمنح الجماعات شعورها بالتماسك والاستمرارية.
وفي هذا المعنى، لا تبدو المجتمعات كيانات ثابتة بقدر ما تبدو فضاءات دائمة للتفاوض مع التغيير، حيث يتداخل السعي إلى التجدّد مع الحاجة إلى حماية الهويّة والاستقرار. ومن هنا تحديداً تنشأ دينامية الاجتماع البشري: لا بوصفها حسماً نهائياً بين القديم والجديد، بل بوصفها عملية متواصلة من إعادة تشكيل المعنى داخل عالم دائم التحوّل.
ومن هنا، فإن الانتشار لا يكشف فقط كيفية انتقال الأفكار داخل المجتمعات، بل يكشف أيضاً حدود قابلية المجتمعات لإعادة تعريف ذاتها. فكل مجتمع يستقبل التحوّلات بقدر ما تسمح به بنيته الإدراكية والرمزية، ويرفضها بالقدر الذي يخشى به فقدان المعنى والاستمرارية. ولهذا، فإن دراسة الانتشار ليست دراسة لحركة الأفكار فقط، بل دراسة للطريقة التي تتفاوض بها المجتمعات مع مصيرها التاريخي.
* أكاديمي ـ باحث في الشؤون الجيوسياسية