المرشد الأزرق

الآلة التي دلّت الإنسان على نفسه

كيف استطاعَ جهازٌ صغيرٌ أن ينتزعَ من الإنسان هذا القَدر من الثِّقة؟ وكيفَ صَار صوتٌ إلكتروني عابرٌ أقرب إلى الطمأنينة من حدسٍ راكمته التَّجارب؟ ولماذا يهدأ القلب حين يسمع تعليمات الطريق، كأن أحدًا يشاركه عبور المسافة ويتكفّل عنه بقلق الاختيار؟ أهو انتصار للتقنية وحدها، أم أنه يكشف حاجةً أقدمَ في الإنسان: حاجتُه إلى من يُرافقه، ويطمئنه، ويخفِّف عنه عبء الحَيرة كلما تشعّبت السُّبل؟

حين صار الصوت الإلكتروني رفيقَ الحيرة

كان ال GPS في بداياته، وعدًا صغيرًا بالنجاة: جهازٌ لا يضلّ، عينٌ لا تنام، وصوتٌ أنثويٌّ لطيف يهمس لك: “بعد مئتي متر، انعطف يمينًا”. لم يكن يخبرك فقط بالطريق، كان يمنحك شيئًا أعمق: شعورًا دافئًا بأنك لست وحدك في هذا العالم المتشابك، وأن هناك عقلًا كونيًا يراقب ارتباكك ويعيد ترتيب خطواتك. في ظهوره الأول، لم يدخلGPS حياتنا بوصفه أداةً تقنية، دخلها بوصفه فكرةً تمسّ أحد أعمق احتياجات الإنسان: الحاجة إلى الطمأنينة وسط التيه. لقد بدا كأنه تعويض حديث عن هشاشة الكائن البشري أمام اتساع العالم وتعقّد مسالكه؛ فحين كان السائق يقترب من مفترق الطرق، كان الجهاز يقدّم له إشارةً جغرافية، ويسكب في داخله يقينًا ناعمًا بأن الخطأ لم يعد قدرًا لازمًا، وأن الضياع نفسه صار قابلًا للترويض. هكذا تحوّل الصوت الخارج من الآلة إلى قرين يوميّ، يرافق الإنسان في لحظات ارتباكه الصامت، ويخفّف من وطأة شعوره بالعزلة في المدن الغريبة والطرقات المتشابكة.

الذكاء الذي بدّد وحشة الطريق

غير أن القيمة الرمزية لهذا الجهاز تتجاوز وظيفته العملية بكثير؛ لأن الإنسان لم يبحث يومًا عن الطريق بمعناه المادي وحده، فقد ظلّ يبحث، منذ بدايات وَعْيِه، عن دليل يقيهِ حيرة الاختيار. فالطريق في التجربة الإنسانية مسافة بين نقطتين، وهو أيضا صورة مكثّفة عن المصير، وعن السؤال الذي يرافق كل كينونة: كيف أصل؟ وإلى أين أمضي؟ من هنا اكتسب GPS دلالة شبه فلسفية، إذ منح الإنسان إحساسًا بأن الفوضى الظاهرة للعالم تخفي نظامًا خفيًا يمكن بلوغه، وأن الخرائط ليست حِبْرًا وخُطوطًا، بقدر ما هي وعْد بأن الواقع نفسه قابل للفهم والتوجيه. لقد أشاع في النفس وهمًا جميلاً مؤدّاه أن كُلَّ ارتباك يمكن ضبطه، وأن كل انحراف عن المسَار يمكن تصحيحه بعبارة هادئة: “أعِدْ تحديدَ الطَّريق”.

هكذا، لم يعد هذا الجهاز مجرد وسيط بين الإنسان والمكان، صار وسيطًا بين الإنسان وقلقه الوجودي. فالإنسان الحديث، رغم ما راكمه من معرفة، ما يزال كائنًا خائفًا من المجهول، يتظاهر بالسيطرة ويضطرب من الداخل كلما غابت عنه العَلامات. ولذلك أحبَّ هذا الاختراع لا لأنه يُرشده، وإنما لأنه يقدّم له صورة مصغّرة عن عالم عاقل، لا يتركه نهبًا للتَّخْمين، ويهمس له باستمرار أنَّ هناك ترتيبًا ممكنًا، وأن الخطأ ليس نهاية الرحلة وأنه جزء من هندستها. من هذه الزاوية، يكشف GPS عن ميل حضاري عميق إلى استبدال الحدس البشري بإرشاد خارجي، وإلى تحويل الحرية من مغامرة مفتوحة إلى مسار محسوب مُسبقًا.

يحمل هذا الاطمئنان في طياته مفارقة دقيقة؛ لأن الإنسان كلما سلّم أمره لصوت الآلة، خسر شيئًا من مهارته القديمة في قراءة العالَم. لقد كان يهتدي بالشمس، وبالنجوم، وبالعلامات الصغيرة التي تتركها الأمكنة في الذاكرة، أما اليوم فقد صار يميل إلى الثقة فيما تقوله الشاشة أكثر من ثقته فيما تراه عيْناه.

المرشد الأزرق وقلق الكائن الحديث

من هنا يبرزُ سؤال فلسفي حادّ: هل أنقذنا GPS من الضياع، أم أعاد تعريف الضياع على نحو جديد؟ ربما لم نعد نضلّ في الطرقات كما كنا من قبل، لكننا صرنا نرتبك سريعًا حين يغيب عنا هذا المرشد الإلكتروني، وكأن التقنية التي وعدتنا بالاستقلال دفعتنا، في الآن نفسه، إلى نوع مستحدث من التبعية الهادئة.

ومع ذلك، لا ينبغي أن نقرأ هذه التجربة قراءة تشاؤمية محضة؛ لأن قيمة GPS تكمن أيضًا في كونه يفضح توْقَنا العميق إلى من يدلّنا، وإلى من يبدِّد غموض المسافات، إلى من يقول لنا إن المسير ممكن وإن الوصول ليس وهْمًا. ولعل دهشته الحقيقية لا تكمن في الأقمار الصناعية ولا في الخوارزميات ولا في دقة الحساب، وإنما في قدرته على مُلامسة منطقة حميمة في النفس البشرية: منطقة الخوف من الانقطاع، والرغبة في أن يصاحبنا صوت ما ونحن نعبر المجهول. لذلك لم يكن GPS جهازًا للاتجاه وحده، كانَ أيضا استعارة حديثة عن حاجة الإنسان الأزلية إلى المعنى، وتعبيرا عن أمله المستمر في أن يجد، وسط تشابك العالم، عقلًا يرشده، وصوتًا يُواسيه، وطريقًا لا يخُونه.

كم هو مدهش أن يتحول الإنسان، هذا الكائن الذي رسم النجوم واكتشف البحار، إلى كائنٍ يرتبك أمام دائرةٍ زرقاء تدور على الشاشة. ليست الطمأنينة التي يمنحها ال GPS بريئة، إنها طمأنينة مشروطة: أنتَ مطمئنٌ ما دمتَ داخل النظام، وما دامت الإشارة قائمة، وما دُمت تطيع الصوت. أما خارج ذلك، فأنتَ كائنٌ مَنسيّ، خارج الخريطة، وخارج اليَقين.

GPS حين تقودنا الآلة إلى أكثر من طريق

فماذا يعني إذن أن نكسِب دقَّة الوُصول ونفقدَ شيئًا من يقظة الرُّوح؟ وهل يقرّبنا هذا الدَّليل الإلكتروني من العَالم فعلًا، أم يعلّمُنا أن نراه فقط من خلال شاشَته؟ ثم أيُّ معنى يبقى للطريق، إذا صار الإنسان يقطع المسافات آمنًا، لكنه يرتبكُ عند أول صمْتٍ للإشارة؟ ألاَ يدعونا ال GPS، في النهاية، إلى أن نسأل أنفسنا: هل نبحث عن الطريق فقط، أم نبحث عمّن يمنح رحلتنا ثقةً وَطمأنينة؟

لنتأمل؛ وإلى حديث آخر.

The post المرشد الأزرق appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress