المغترب اللبناني: جسد في الخارج وروح تحت القصف
حسين سعيد
في الحروب، يظن كثيرون أن الألم يسكن فقط تحت القصف، وأن الخوف يقتصر على من ينام على صوت الانفجارات أو يهرب من منزله حاملاً ما تبقى من عمره وذاكرته. لكنّ ثمة وجعاً آخر أقل ظهوراً، وأكثر صمتاً، يعيشه آلاف اللبنانيين المنتشرين في أصقاع الأرض، أولئك الذين أبعدتهم الغربة عن وطنهم، فيما بقيت أرواحهم معلّقة هناك، بين بيتٍ يخشون عليه، وأمّ تنتظر اتصالاً، وقرية أو مدينة يخافون أن تتغير ملامحها تحت النار.
المغترب اللبناني في زمن الحرب لا يعيش حياة طبيعية كما تبدو صورته للآخرين. جسده في بلاد الاغتراب، لكن أعصابه اليومية تعيش الحرب ساعة بساعة في لبنان. يذهب إلى عمله، يجلس بين الناس، يبتسم أحياناً على سبيل المجاملة، غير أن قلبه يبقى معلّقاً بشاشة هاتف، أو بخبر عاجل، أو باتصال متأخر يخشى أن لا يأتي.
يقول علماء النفس إن الإنسان الذي يواجه الخطر مباشرةً قد يدخل في حالة تكيّف قسري تجعله أقل توتراً ممن ينتظر الكارثة عن بُعد. فالذي يعيش الحدث ينشغل بمحاولة النجاة، أما البعيد فيبقى أسير الخيال والاحتمالات والأسئلة القاتلة. وهذا تماماً ما يعيشه المغترب اللبناني؛ حرب يومية من الانتظار والقلق والعجز.
تتحول مواقع التواصل الاجتماعي إلى مساحة مراقبة دائمة، ويصبح الهاتف جبهة حرب أخرى. تتكاثر الاتصالات والرسائل تكاثراً هستيرياً أحياناً، لا بحثاً عن حديث، بل عن طمأنينة مؤقتة. يسأل الجميع السؤال نفسه بصيغ مختلفة: “هل أنتم بخير؟”. وفي كثير من الأحيان، لا يكون الجواب مطمئناً بما يكفي لإخماد القلق.
أحد المغتربين قال بمرارة تختصر شعور كثيرين: “أخشى المطارات في زمن الحرب، لأن كل طائرة لا تتجه إلى بيروت تُشعرني بأنني أبتعد أكثر عن نفسي”. ثم أضاف: “لا تحسدوني على الأمان المادي الذي أعيشه، ففي داخلي حرب لا تهدأ”.
وربما تختصر هذه الكلمات حقيقة شعورية قاسية يعيشها المغترب؛ شعور دائم بالذنب لأنه في مكان آمن نسبياً فيما أهله يواجهون الخوف والنزوح والخطر، حتى لو كان يعلم في قرارة نفسه أنه لم يختر الحرب ولم يتخلَّ عن أحد.
ولذلك، لا تبدو المساعدات المالية التي يرسلها كثير من المغتربين مجرد واجب عائلي أو إنساني فحسب، بل تتحول أحياناً إلى محاولة نفسية لتخفيف الشعور بالعجز، وكأن المغترب يريد أن يقنع نفسه بأنه ما زال قادراً على حماية جزء من وطنه ولو عن بُعد.
وفي زمن الخطر، تتبدل أيضاً العلاقات بين أبناء الجاليات اللبنانية. تخفّ حدة الانقسامات السياسية والطائفية، ويعلو فوقها شعور أعمق اسمه الخوف على الوطن. يجتمع المختلفون على الحنين نفسه، وعلى القلق نفسه، وعلى صور القرى والمدن التي تركوها خلفهم. يصبح الوطن، في لحظات الخطر، أكبر من الخلافات كلها.
وربما أكثر ما يؤلم المغترب اللبناني أن الحرب لا تمنحه حتى حق الحضور الكامل. فهو لا يعيش المأساة مع أهله تماماً، ولا يستطيع الانفصال عنها تماماً. يبقى عالقاً بين عالمين: حياة يفرضها عليه بلد الاغتراب، وروح لا تزال تركض في شوارع لبنان وبين أهله وأحبائه.
لذلك، قد لا تكون المقارنة بين وجع المقيم ووجع المغترب مقارنة عادلة أصلاً، لأن كلاً منهما يعيش الحرب بطريقته الخاصة. غير أن المؤكد أن المسافة، في بعض الأحيان، لا تخفف الألم… بل تمنحه شكلاً آخر أكثر هدوءاً، وأكثر قسوة.