المفاوضات والحرب والسلم

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

الدكتورة فاديا كيوان

 

 

يُخطئ من يعتقد أن طلب التفاوض لوقف الحرب- وهو اساسا طلب وقف إطلاق النار من أجل التفاوض- هو استسلام أو تراجع امام العدو الاسرائيلي. بل ان التفاوض هو محطة في الحرب كما كل حرب. اما الحرب والسلم فهما ثنائي مترافق دائما حيث أن الحرب نفسها هي استمرار للسياسة بأدوات حربية. 

 

من اهم ما كتب كارل فون كلوزفتش هو ان الحرب هي استمرار السياسة بأدوات أخرى. وارقى فن للحرب يكمن في فرض استسلام العدو من دون مواجهة عسكرية. في هذه الفسحة الصغيرة تتسلل محطة التفاوض وهو لا يعتبر خروجا من المعركة ولا تسليما للعدو ولا سلام، بل إنه الانتقال من المعارك العسكرية الى المواجهة السياسية حيث يضع كل فريق اسلحة وادوات جديدة في المواجهة.  ففي حين يحاول البعض فرض سيطرته وانفاذ مصالحه بقوة السلاح والأعمال الوحشية، يحاول بعض آخر أن يدافع عن حقوقه بالكلمة والحجة كما وبالاستناد الى ضغط القوى المناصرة . وقد يربح البعض المعارك العسكرية ويخسرون الحرب وقد يخرج البعض من الحرب منتصرا على التفوق العسكري لسواه.

 

أين لبنان من كل ذلك؟

كانت الدولة اللبنانية مستندة الى عقيدة " لبنان قوته في ضعفه". وذلك لعدة عقود. وفيما ذهبت الدول العربية الأخرى المواجهة لإسرائيل، ذهبت الى الحرب عدة مرات، اكتفت الدولة اللبنانية بدور المساندة بدل المواجهة.
هذا الخيار الاستراتيجي خلق في نفوس بعض اللبنانيين شعور بالقهر والكبت والمرارة لأن هذا البعض كان يعتبر نفسه جزءا لا يتجزأ من الامة العربية وكان يؤمن بوحدة المصير.وفي نفس الوقت كان بعض آخر من اللبنانيين يغرق في اللامبالاة والانكار والهروب الى الامام.

 

ولكن ما لبث لبنان ان انزلق في المواجهة غير المباشرة مما عرض خاصرته بصورة دائمة للأختراق وشكلت الاعتداءات الاسرائيلية المتكررة على البلاد، من قرى الشريط الحدودي الى مطار ببروت، جرحا دائما في الجسم اللبناني، جرح ترافق والنزوح القسري والى الهجرة والى البحث عن تحالفات خارجية.
ان عمل المقاومة للاحتلال الاسرائيلي، المقاومة بكل أجنحتها - بدءا بالجناح اليساري ومن ثم البعثي وفيما بعد الجناح الاسلامي المرتبط بولاية الفقيه- قد أثبت أن لبنان ليس قويا بضعفه بل بقدرة اهله على الصمود والتصدي للعدو. وبالرغم من التفوق العسكري لجيش العدو، فإن احتلال أراض لبنانية لم يكن ولن يكون نزهة.

 

لكن منطق استدراج العدو الى حرب استنزاف طويلة هو سلاح ذو حدين. فصحيح ان العدو الاسرائيلي منزعج من حرب الاستنزاف هذه، لكنه يواصل القتل والتدمير إلى أن تصبح الأراضي التي يحتلها، ارضا محروقة وغير قابلة للحياة. وهذا الأمر بحد ذاته سيجعل عودة الناس الى بيوتهم أمرا غير واقعي على المدى المنظور. وسيجعل إعادة الإعمار أكثر كلفة يوما بعد يوم.

سؤال بديهي  يمكن لأي لبناني طرحه وهو: هل أن إطالة الحرب ستأتي لنا بالنصر؟ وما هو هذا النصر فيما أن التفاوض في نوفمبر 2024 كان على انسحاب إسرائيل من خمس تلال فيما أن التفاوض اليوم على انسحابها من مساحة أكبر بكثير وبعد أن دمرت فيها كل معالم الحياة والعمران؟

إن طلب وقف إطلاق النار للتفاوض هو عين الصواب لمن يحمل مسؤولية مصير وطن بين يديه واعني رئيس الجمهورية والحكومة وكذلك مجلس النواب عند بلوغ المفاوضات مرحلة مفصلية تستدعي نظر نواب الامة في الأمر والفصل به سلبا ام ايجابا، أكان ذلك ترتيبات أمنية أم هدنة ام سلاما وتطبيعا لا سمح الله.

إن رئيس الجمهورية هو من يتولى أمر المفاوضات الخارجية -وبحسب الطائف، يتشاور في ذلك مع رئيس الحكومة الذي هو رئيس السلطة التنفيذية. وهو بدوره يطلع مجلس الوزراء مجتمعا على كل عناصر هذا الملف . كما ويطلعه على اي مبادرات أو مهمات خارجية  قد يقوم بها شخصيا بصفته رئيسا لهذا المجلس.

 

أما التشاور مع رئيس مجلس النواب من قبل كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة،  فهو طبيعي من باب الاحترام لما يمثله رئيس مجلس النواب بصفتين اثنتين: رئيس السلطة التشريعية من جهة وممثل الثنائي الذي استدرج العدو الى الحرب الأخيرة تحت شعار "لبيك خامنئي" ، بعد استدراجه خلال حرب غزة.

 

 إن البعض مستاء وغاضب وهو يرفع إصبعه ويهدد رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة بعظائم الأمور- وبعض تلك الأصابع هي للأسف اصابع نواب وممثلين للأمة.

 

ماذا يريد هؤلاء؟ لا يريدون التفاوض المباشر. وهذا يعني انهم يفضلون ان تفاوض عن لبنان دولة اخرى. في الماضي كانت تقول سوريا الأمر لي وكان أنصار وحدة المسار والمصير مرتاحين.  سوريا الأسد لم تعد موجودة بل إيران هي الدولة التي تواجه العدوان الاسرائيلي - الاميركي عليها وقد قررت الانتقال الى التفاوض لإنهاء هذا العدوان. ويبدو أن بعض اللبنانيين يرغبون في ان تفاوض ايران عن لبنان، او ان يدخل لبنان المفاوضات الايرانية -الاسرائيلية الاميركية كشريك وحليف إيران. ومن المحتمل جدا أن يكون هذا البعض يرغب في أن يدخل هو بالمفاوضات الى جانب ايران بإسم لبنان… لكن الدولة اللبنانية والتي تمثل جميع مكونات لبنان لم تقرر التحالف مع إيران في أي لحظة. ومع ذلك أغلبية الشعب اللبناني منفعلة ومتأثرة بسبب الحرب على إيران وترى خيرا في ان تكون ايران قد دخلت المفاوضات المباشرة لوقف تدمير بنيتها التحتية. والنظام الإيراني يسعى جاهدا لتعزيز شروط التفاوض وهذا امر طبيعي. لكن ما شأن اللبنانيين في ذلك فيما أرضهم ترزح تحت العدوان وبلادهم على شفير التفكك؟ وكيف هم يتقبلون أن تبادر دولة حليفة لهم الى التفاوض المباشر مع عدوها فيما يرفضون هذا الحق للبنان؟

 

لبنان وضعه مختلف. فهو يواجه العدوان الإسرائيلي المتكرر منذ العدوان على مطار بيروت في العام ١٩٦٩. وحتى عند وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024 لم توقف اسرائيل اختراقها للأجواء اللبنانية واعتداءاتها ضد اللبنانيين بحجة ملاحقة من هم يتحضرون لإعادة الانقضاض عليها. وبالطبع بقي الإصبع على الزناد في الجهة اللبنانية. فماذا على لبنان أن يفعل؟

ضربني وبكى

أن الجهات اللبنانية الغاضبة والتي ترفع اصبعها تهديدا إنما تنسى ان مسؤولية مصير لبنان ليست بين يديها وإن كان هناك فريق قد اتخذ زورا قرار الحرب مرات عدة في الماضي. ويبدو أنه يريد أيضا اتخاذ قرار السلم بنفسه. وقد رأينا كيف قام البعض- من دون استئذان أحد- بالتفاوض على ترسيم الحدود البحرية وذلك قبل ترسيم الحدود البرية بحسب الاصول. وشاهدنا كيف سلم للعدو بالخط 23 بدل الخط 29 في ظروف غامضة لا يعرف وقائعها غير الأخ الأكبر لهذا الفريق والعدو الإسرائيلي.

أما الدولة اللبنانية فلم تسأل آنذاك ولم تستاذن. 

لا يمكن للخطأ أن يشكل سابقة يمكن الاستناد إليها.

 

 

فقد عاش اللبنانيون خلال خمسين سنة من الحروب المتقطعة والتي ترافقت مع تواصل العدوان الإسرائيلي على لبنان. على مدى ربع قرن كان لبنان يتخبط في نزاعات داخلية فيما هو يرزح تحت احتلال اسرائيل للجنوب وبعض البقاع الغربي. ومنذ العام 2000 عاش اللبنانيون خلال ربع قرن من الميوعة والفساد والارتهان لأنظمة شقيقة بأسم وحدة  المسار والمصير.

 

أما اليوم فيقول سائر اللبنانيين الآخرين كفى. فقد استنفذوا كل طاقتهم على الصبر. وباتت كلفة الصمت والمسايرة وتدوير الزوايا باهظة. 

 

فاليوم لا بد للدولة اللبنانية بكل سلطاتها الدستورية ان تحسم امرها وان تتولى هي، حصريا وبدون شركاء، لا من الداخل ولا من الخارج، أمر إدارة شؤون البلاد واستعادة السيادة الوطنية وإعادة بناء ما تهدم واحتضان شعبها المنكوب وإطلاق ورشة التعافي الوطني. وبالطبع فإن لجميع مكونات لبنان موقعا ودورا ومسؤولية في ورشة التعافي الوطني تحت عنوان التضامن الوطني للتعافي. 

 

ولكن لن يقبل سائر اللبنانيين بعد الآن أن يكون قرار الحرب والسلم بيد غير السلطات الشرعية المنتخبة. ولن يقبلوا أن يأخذهم البعض إلى الحرب  حينما يشاء ويسعى للتحكم بالخروج من الحرب عندما يشاء وكيف ما يشاء ويهدد ويتوعد. ثم يطلب من الدولة الاهتمام بإعادة الإعمار.

فهل ينتهي زمن رفع الأصبع والتهديد؟

أن التفاوض مع العدو هو في صلب الحرب وليس خروجا منها. وينبغي أن يلتف اللبنانيون جميعا حول الدولة لتعزيز خاصرتها وقدرتها على التفاوض. وأركان الدولة يعرفون جيدا تاريخ الاعتداءات الاسرائيلية على لبنان منذ نصف قرن ونيف وهم بالطبع لا شك  يتحسسون لدماء اللبنانيين الذين استشهدوا وما زالوا يستشهدون في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية المتوحشة.  

 

هل نعي الواقع المستجد ونعتبر من الماضي ونخفف خسائر عن الأجيال القادمة أم أن الحقد والتهور سيطيحان بالدولة اللبنانية بعد مئة عام ؟

 

فيثبتون أن خيار العيش معا غير ممكن وان النموذج العنصري الذي يدعو إليه اليمين الاسرائيلي المتطرف هو الأصح؟



اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية