المنطقة التجريبية: تجريب المجرّب؟

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

 تبدو فكرة "المناطق التجريبية" في الزوطرين وقلعة الشقيف صيغة تقنية: مساحة محدودة يدخلها الجيش اللبناني، تُخلى من "حزب الله" ومسلحيه وسلاحه، ثم تُقاس النتائج قبل تعميم النموذج. لكن في العمق، ليست التجربة أمنية فحسب، بل هي اختبار سياسي لمعنى الدولة في لبنان: هل تستطيع السلطة الشرعية أن تكون صاحبة القرار والسلاح على أرضها، ولو على مساحة صغيرة، أم تبقى السيادة مفهوماً نظرياً يُعلّق عند أول تماس مع سلاح "حزب الله" أو مع الإصرار الإسرائيلي على حرية الحركة العسكرية؟

 

ليست فكرة جديدة

 هل من سوابق؟ نعم، لكن الأمثولة ليست مطمئنة. ففي البوسنة، أعلنت الأمم المتحدة سربرنيتسا "منطقة تجريبية آمنة" في 1993، مع ترتيبات لنزع السلاح تحت إشراف قوات الحماية الدولية، لكن الحماية كانت غير كافية، فسقطت المنطقة في 1995 وانتهت بمذبحة وإبادة جماعية بحق أكثر من سبعة آلاف رجل وفتى من البوشناق. الدرس قاسٍ: المنطقة الآمنة بلا قدرة ردع حقيقية فخّ للمدنيين.

 

وفي سوريا، أُنشئت "مناطق خفض التصعيد" بعد مسار أستانا في 2017. خفّضت العنف في البداية، لكنها لم توقف الحرب. خلصت "هيومن رايتس ووتش" إلى أن الحكومة السورية وروسيا وأطرافاً أخرى انتهكت مراراً اتفاقات وقف النار، وتحول بعض هذه المناطق لاحقاً إلى مساحات محاصرة ثم إلى ساحات هجوم وتهجير قسري.

 

في كولومبيا، جرّبت الدولة منطقة منزوعة السلاح مع "فارك" في 1998 بمساحة تقارب 42 ألف كيلومتر مربع لتسهيل التفاوض، لكن التجربة انهارت في 2002 بعد انسحاب "فارك" من المفاوضات وخطف طائرة وسيناتور، فعادت الدولة إلى عسكرة المنطقة.

 

الخلاصة من هذه السوابق أن "التجريب" ينجح حين يكون جسراً إلى حل نهائي، لا بديلاً منه. ويحتاج إلى ثلاثة شروط: جدول زمني واضح، سلطة شرعية قادرة على الإنفاذ، وضمان خارجي يمنع الطرف الأقوى من استخدام التجربة لتكريس أمر واقع.

 

ما هو منطق التجريب اللبناني؟

في لبنان، المشكلة أن الحلّ ليس مجهولاً كي يُجرَّب. القرار 1701 يحدّد المبدأ بوضوح: لا سلاح ولا سلطة في لبنان إلا سلاح الدولة وسلطتها، وعلى المنطقة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني أن تخلو من أي مسلحين أو أسلحة باستثناء الدولة اللبنانية و"اليونيفيل". لذلك يبدو "منطق التجريب" محاولة للبدء من جزء صغير لأن تطبيق القاعدة على الجنوب كاملاً يصطدم بعقبة كبرى: "حزب الله" لا يتصرف بصفته تنظيماً محلياً بل بصفته جزءاً من منظومة إقليمية إيرانية، خصوصاً أن الربط بين ساحة لبنان وحسابات طهران عاد إلى الواجهة في التصعيد الأخير.

 

من هنا، لا تختبر الزوطران قدرة الجيش اللبناني وحده، فهو قادر على تنفيذ أوامر قصر بعبدا والسرايا الحكومية إذا توافرت له التغطية السياسية والموارد اللازمة والغطاء الدولي. ما يُختبر فعلاً هو القرار الحكومي: دولة تحتكر السلاح أم إدارة موقتة لصراع دائم؟ وهل يقبل "حزب الله" أن يتحول من قوة فوق الدولة إلى طرف فيها، أم سيرى في كل خطوة نحو حصرية السلاح استهدافاً لهويته ودوره، وحتى لوجود طائفته كما يحلو للثنائي الشيعي أن يصور الأمر؟

 

ماذا لو؟

 

إذا نحينا تعنت الحزب جانباً، الخطر أن تفشل المناطق التجريبية بسبب التعنت الإسرائيلي المقابل: "ننسحب حين نطمئن، ونضرب حين نرى تهديداً". أعلنت إسرائيل منطقة سيطرة عسكرية موسعة في جنوب لبنان، وقالت إنها قد تنفذ ضربات خارجها، متمسكة بحزام أمني ما دامت حاجاتها الأمنية تتطلب ذلك. كذلك، سجلت الساعات التي تلت وقف النار غارات إسرائيلية قتلت ما لا يقل عن 20 شخصاً: قالت إسرائيل إنها ترد على نار "الحزب"، وقال "الحزب" إنه يهاجم إسرائيليين في داخل الأراضي اللبنانية.

 

إذا لم تنجح المنطقة التجريبية، فسيكون لبنان أمام ثلاث نتائج سيئة: الأولى أن تستخدم إسرائيل الفشل ذريعة لتوسيع المنطقة الأمنية، ولا ما يردّها عن ذلك؛ والثانية أن يستخدم الحزب استمرار الاحتلال لتبرير بقاء سلاحه رغم ثبات عدم جدواه دفاعياً؛ والثالثة أن يُحشر الجيش اللبناني بين حزب لا يريد أن يخلي الأرض فعلياً، وإسرائيل التي لا تريد أن تسلّم الأرض نهائياً.

 

لذلك، يجب أن يتحول إنشاء منطقة تجريبية إلى صفقة متزامنة: خروج مسلحي "حزب الله" وسلاحهم، دخول الجيش اللبناني، انسحاب إسرائيلي موازٍ، وقف كامل للغارات، وآلية تحقق دولية سريعة لا تسمح لأي طرف بأن يكون القاضي والجلاد في الوقت نفسه. أما أن يُطلب من لبنان نزع سلاح "الحزب" تحت النار، أو أن يُطلب من إسرائيل الانسحاب بلا تلبية مطالبها بإبعاد خطر إيران عن شمالها بحسب زعمها، فتلك وصفة لإعادة إنتاج الفشل.

 

في النهاية، الزوطران لا تؤلفان اختباراً لجغرافيا صغيرة، بل تؤلفان سؤال لبنان الكبير بصيغة مصغرة: هل يعود الجنوب إلى الدولة، أم يبقى مساحة معلّقة بين سلاح إيراني الهوى واحتلال إسرائيلي الذريعة؟ نجاح منطق التجريب يكون بإثبات أن السيادة ليست عينةً مخبرية، بل قاعدة قابلة للتعميم.

 

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية