المونديال والحاجة إلى مواكبة إعلامية تساير الطموحات الرياضية

رغم كل التراكمات الكمية والتجارب النوعية التي يتوفر عليها المغرب من خلال مختلف مشاركاته الغنية في المحافل الرياضية الدولية، ورغم الطفرة الملحوظة التي شهدتها البنية التحتية الرياضية عندنا والنتائج المحققة على أرضية الميدان خلال العقدين الأخيرين، إلا أن كل موعد رياضي حاسم يعيد فتح النقاش حول مدى قدرة الإعلام الرياضي الوطني على مواكبة هذا التطور ومسايرته للتطورات الدولية المتسارعة في هذا المجال.

الواقع يظهر، مع كل تظاهرة كبرى، فجوة بين الطموح والأداء الحالي؛ حيث يرى الكثيرون أن التغطية الإعلامية لا تزال تجد صعوبة في الارتباط بمعايير الاحترافية القائمة على الموضوعية والعمق العلمي والمهني للمارسة الإعلامية. فبدل أن يكون الإعلام رافعة للوعي الرياضي وقناة لنقل الحدث بزاوية نظر رصينة ومختلفة، يميل في كثير من الأحيان إلى مجاراة النقاشات العادية التي تدور في الصالونات والمقاهي، دون تقديم قيمة مضافة نوعية.

إن الجذور العميقة لهذا التواضع في الأداء تعود في جانب منها إلى آليات الاختيار والتعاقد داخل القنوات والمنابر الرياضية؛ إذ تفتقر شروط انتقاء المحللين والمعلقين الرياضيين في الغالب إلى معايير احترافية ومهنية مضبوطة، ولا تخضع دائمًا لدفاتر تحملات دقيقة تقيس الكفاءة العلمية، والقدرة التواصلية، والعمق المعرفي المرتبط باللعبة. وبدلاً من ذلك، يتم الاعتماد على معايير عامة وغير دقيقة، مما يفتح الباب أمام مقاربات تفتقر إلى النضج المهني المطلوب لتصدر المشهد الإعلامي وتوجيه الرأي العام الرياضي.

لعل أبرز تمظهرات هذا الخلل الناتج عن عدم دقة معايير الانتقاء تتجلى في كابينة التعليق والوصف الرياضي. فالواصف لم يعد يركز دائمًا على الجوانب الثقافية والتكتيكية للعبة والبحث عن المعلومة الدقيقة؛ بل ينزع في كثير من الأحيان نحو أساليب استعراضية تهدف أساسا إلى جلب الانتباه واستجداء التفاعل. وهكذا نقف أمام تراجع في اللغة الرصينة وغياب الالتزام بلغة واصفة دقيقة، وتعويضها بعبارات عامية قد تفتقر أحياناً للحس المهني. كما أن الاستناد لمعطيات غير دقيقة خلال وصف المباريات يعكس غياب التحضير القبلي الرصين، والاعتماد على معلومات سطحية دون تدقيق كافٍ، وهو أمر يثير الإستغراب في عصر تدفق المعلومات وانتشار مواقع الذكاء الاصطناعي. ومقابل ذلك كله نسجل الاعتماد على الإثارة الصوتية من خلال المبالغة في الانفعال الصوتي ودغدغة العواطف كبديل عن القراءة الهادئة لما يدور فوق ميدان التباري.

أما إذا انتقلنا من المباشر إلى استوديوهات التحليل، فإن المشهد يحتاج بدوره إلى مراجعة عميقة. فالأصل في هذه الاستوديوهات أن تقرأ ما وراء النتيجة، وأن تقدم للمشاهد تحليلاً يعتمد على تفكيك الخطط التكتيكية وقراءة اختيارات المدربين بنوع من التجرد المهني. لكن الملاحظ هو افتقاد هذه الاستوديوهات في الغالب للتحليل العميق، المنبني على الموضوعية ولو في حدودها الدنيا، مع غياب شبه تام للفهم الدقيق للعبة ومفاهيمها التكتيكية الحديثة، لحساب كلام عام يميل إلى السطحية. وبدل المساهمة في تطوير الوعي الرياضي بنقد بناء، يسقط بعض المحللين في فخ مسايرة رغبات الشارع والشوفينية الضيقة، عبر تقديم تبريرات جاهزة عند الهزيمة ومدح مفرط عند الانتصار، مخاطبين عواطف المتلقي عوض تقديم قراءة عقلانية للأحداث.

أمام هذا التواضع في العرض الإعلامي المحلي، تضطر شريحة واسعة من المشاهدين المغاربة إلى اللجوء للقنوات الأجنبية والمشفرة، بحثا عن جودة النقل، وعمق التحليل، والاحترافية التي تليق بشغفهم الرياضي. لقد بات الجمهور الوطني يفضل في المواعيد الكبرى البحث عن فضاءات إعلامية تقدم له مواكبة متكاملة؛ ليصبح الشعار الساخر الذي يتردد مع كل تظاهرة كبرى هو: “الحمد لله على نعمة الريموت كنترول”، كتعقيب واعي على تراجع أداء الإعلام الرياضي المحلي في محطات حاسمة.

أمام هذه المفارقة الصارخة بين منجزات الرياضة الوطنية وتطلعاتها العالمية، وبين إعلام يجد صعوبة في مواكبة هذا الإيقاع، يظل السؤال المطروح هو:  هل هذا الوضع قدر محتوم، أي أن هذا هو مستوانا الحقيقي وهذا ما يستحق الجمهور الرياضي المغربي؛ أم أنه نتيجة لخيارات معينة ترمي إلى إبقاء المشهد الرياضي الإعلامي تحت سقف محدد يتيح إمكانيات التحكم فيه؟ أم أنه النتيجة الحتمية لسيادة قيم المحسوبية والزبونية والتملق على حساب معايير الكفاءة، والخبرة، والاستحقاق داخل الحقل الإعلامي؟

إن الخروج من هذا النفق والالتحاق بركب الإعلام الاحترافي الحقيقي يتطلب هدم هذه الأسقف المصطنعة، وإعادة الاعتبار للمعيارية الصارمة والنزاهة الفكرية في الانتقاء. فالإعلام الرياضي ليس مجرد مادة للتسلية، بل هو مرآة لقوة الدولة الناعمة ووعي مجتمعها، وهو ما يقتضي الانتقال به من الهواية إلى الاحترافية المسؤولة. وإن النتائج الرياضية، كيفما كان حجمها، تبقى معطوبة ما لم يواكبها إعلام قادر على تسويقها وتقديمها للمتابع الوطني والدولي في صورة تليق بها، خصوصا وأننا مشرفين على خوض تحدي تنظيم كأس العالم بعد أربع سنوات فقط إلى جانب بلد رائد في مجال الإعلام الرياضي مثل اسبانيا، لا بأس من الاستئناس بتجريته الغنية في هذا المضمار.

اقرأ المقال كاملاً على لكم