الوطن الصغير والدور الكبير ... ميشال أبو جودة ولبنان الذي أراده أن يكون أكبر من مساحته

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

لم يكن ميشال أبو جودة يكتب لليوم التالي، بل كان يكتب وفي ذهنه سؤال لبنان الدائم. وفي زمن كانت فيه الصحافة المكتوبة تصنع الرأي العام وتؤثر في القرار السياسي، احتلّ قلمه مكانة خاصة في المشهد اللبناني والعربي. وبين آلاف المقالات التي حملت توقيعه في صفحات "النهار"، بقي إيمانه بلبنان ثابتاً، رغم الحروب والأزمات والانقسامات التي عصفت بالبلاد. لذلك، كتاب "الوطن الصغير والدور الكبير" عام 1993، الذي صدر بعد عام من وفاة صاحبه، لم يكن مجرّد إصدار يجمع مقالات صحافي بارز، بل بدا أقرب إلى خلاصة رؤية فكرية وسياسية لرجل آمن بأن قيمة لبنان لا تُقاس بمساحته، بل بالدور الذي يستطيع أن يؤديه إذا حافظ على حريته وتعدديته ورسالة الانفتاح التي ميّزته.

من "حقيبة النهار" إلى ذاكرة وطن

‎يضم الكتاب مختارات من المقالات التي نشرها ميشال أبو جودة في زاويته الشهيرة "من حقيبة النهار" على مدى ما يقارب أربعة عقود. وقد اختيرت هذه النصوص من بين أكثر من عشرة آلاف مقال، لتشكّل أرشيفاً سياسياً وفكرياً يواكب أبرز المحطات التي مرّ بها لبنان منذ خمسينيات القرن الماضي حتى أوائل التسعينيات.

 

‎لكنّ أهمية هذه المقالات لا تكمن في توثيق الأحداث فحسب، بل في الطريقة التي قرأ بها أبو جودة تلك الأحداث وهي تتشكل. فقد كان يربط بين الوقائع اليومية والسياقات التاريخية والإقليمية، فيمنح القارئ فهماً أعمق لما يجري، ويجعل من المقالة اليومية وثيقة تتجاوز زمن نشرها. ولعلّ غسان تويني لخّص هذه الخصوصية في تقديمه للكتاب عندما كتب أنه "أكثر من مادة للتاريخ والتأريخ"، في إشارة إلى أن أبو جودة لم يكتفِ بسرد الوقائع، بل سعى إلى تفسيرها واستخلاص دلالاتها.

لبنان ... رسالة تتجاوز الجغرافيا

‎ليس عنوان الكتاب مجرد صياغة أدبية، بل هو اختصار لفكرة آمن بها ميشال أبو جودة طوال مسيرته. فـ"الوطن الصغير" هو لبنان بحدوده وإمكاناته المحدودة، أما "الدّور الكبير" فهو المكانة التي رأى أنها تنبع من الحرية، والتعددية، والثقافة، والدور الإعلامي والفكري الذي لعبه لبنان في محيطه العربي.

 

‎كان أبو جودة ينظر إلى لبنان بوصفه أكثر من دولة صغيرة على شاطئ المتوسط، إذ اعتبره مساحةً للحوار، وملتقىً للأفكار، ونموذجاً للتنوع في منطقة أنهكتها الانقسامات. لذلك، جاءت كتاباته دفاعاً دائماً عن الدولة ومؤسساتها، وعن الحريات العامة، وعن الصيغة اللبنانية التي اعتبرها شرطاً أساسياً لاستمرار هذا الدور.

الصحافة ... قراءة في المستقبل

‎ما يمنح كتابات ميشال أبو جودة قيمتها المستمرة هو أنها لم تكن أسيرة الحدث اليومي. ففي وقت كانت المقالة السياسية تُستهلك بانتهاء الخبر، كان هو يكتب بلغة هادئة وعميقة، تستند إلى التاريخ والأدب والثقافة، لتفتح أمام القارئ أفقاً أوسع من تفاصيل السياسة اليومية.

 

‎ولذلك، تبدو مقالاته اليوم وكأنها تحاور الحاضر بقدر ما تنتمي إلى الماضي. فالأسئلة التي شغلته قبل عقود لا تزال مطروحة: كيف تُبنى الدولة؟ وكيف يُحمى العيش المشترك؟ وما الدّور الذي يستطيع لبنان أن يؤديه وسط التحولات الإقليمية المتسارعة؟ وهي أسئلة تمنح هذا الكتاب راهنيته، وتجعله يتجاوز كونه مجموعة مقالات ليصبح شهادة على مرحلة كاملة من تاريخ لبنان.

كتاب لا يشيخ

‎بعد أكثر من ثلاثة عقود على صدور "الوطن الصغير والدور الكبير"، لا يزال الكتاب يحتفظ بحضوره، لأنه لا يقدم أجوبة جاهزة بقدر ما يدفع القارئ إلى إعادة التفكير في معنى لبنان ودوره. فالأحداث تبدلت، والوجوه تغيّرت، لكن كثيراً من الهواجس التي كتب عنها ميشال أبو جودة بقيت حاضرة في الحياة اللبنانية.

‎لهذا، لا يُقرأ الكتاب باعتباره جزءاً من أرشيف الصحافة اللبنانية فحسب، بل باعتباره نصاً مفتوحاً على الحاضر، يذكّر بأن الكلمة ليست مجرد تعليق على الأحداث، بل قد تكون مشاركة في صناعة الوعي بها. وربما في هذا تحديداً تكمن قيمة ميشال أبو جودة: لم يكتب عن لبنان باعتباره وطناً صغيراً يبحث عن مكان بين الدول، بل باعتباره فكرة تستحق أن تُدافع عنها الكلمة الحرة، وأن يبقى دورها أكبر من حدودها.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية