"باركنسون" في المغرب بين الخصوصية الجينية وتحديات المنظومة الصحية

عندما نتحدث عن مرض باركنسون فإن الصورة التي تتبادر إلى الذهن تلقائياً هي صورة يد ترتجف. ومع ذلك نلاحظ في الممارسة اليومية كأطباء أعصاب مدى عدم اكتمال هذه الصورة، فالمرض أكثر دقة وتنوعاً، وقد يكون أحياناً خادعاً، ويصل عدد المصابين به إلى أكثر من 8,5 ملايين شخص عبر العالم، منهم قرابة 45 ألف مصاب في المغرب.

يُعد مرض باركنسون مرضاً عصبياً مزمناً يرتبط بتأثر بعض البُنى العميقة في الدماغ، ويتميز بفقدان تدريجي للخلايا العصبية التي تُنتج مادة الدوبامين، وهي مادة أساسية لضمان سلاسة وتناسق الحركة. وعندما ينخفض مستوى هذه المادة تصبح الحركات أبطأ وأقل، ويظهر تصلب في الجسم؛ كما تتغير طريقة المشي، ويصف المرضى أحياناً شعوراً بالانحباس، وكأن الحركة لا تنطلق بشكل طبيعي.

وعلى خلاف الاعتقاد الشائع فإن الرعاش ليس عرضاً دائماً ولا ضرورياً، فعدد مهم من المرضى لا يعانون منه. وفي المقابل هناك أنواع من الرعاش الشائعة في المجتمع لا علاقة لها بمرض باركنسون؛ وهذا ما يفسر اعتماد التشخيص أساساً على الفحص السريري، وخبرة طبيب الأعصاب، وتطور الأعراض مع مرور الوقت.

وإلى جانب الاضطرابات الحركية غالباً ما ترافق المرض أعراض أقل وضوحاً، مثل اضطرابات النوم، التعب، الآلام، القلق أو الاكتئاب. وقد تسبق هذه الأعراض العلامات الحركية بعدة سنوات، ما يجعل التعرف على المرض في مراحله الأولى أكثر صعوبة.

ورغم أن المرض أكثر شيوعاً في سن الستين وما بعدها إلا أنه قد يصيب أشخاصاً في سن مبكرة. في المغرب نلاحظ بشكل متكرر تشخيص المرض لدى أشخاص في سن الأربعين تقريباً. وتطرح هذه الأشكال المبكرة تحديات خاصة، لأنها تصيب أشخاصاً مازالوا نشطين، مع تأثير مهم على حياتهم المهنية والعائلية.

وتُعد أسباب المرض معقدة، إذ تتداخل عوامل بيئية مع عوامل وراثية، ومن بين هذه الأخيرة يحتل المغرب مكانة خاصة، فقد أظهرت دراسات أجرتها فرق مغربية وجود نسبة مرتفعة بشكل استثنائي لبعض الطفرات الجينية، خاصة على مستوى جين LRRK2. ويُعتبر بلدنا اليوم من أكبر البؤر في العالم لهذه الطفرة. وتمثل هذه الخصوصية في آن واحد تحدياً للصحة العامة وفرصة علمية مهمة لفهم المرض بشكل أفضل.

على مستوى التشخيص لا يوجد حتى الآن اختبار بيولوجي بسيط يؤكد المرض بشكل قاطع. ومع ذلك تتقدم الأبحاث في هذا المجال، إذ تركز الدراسات الحديثة على الكشف عن بروتين غير طبيعي يُسمى ألفا-سينوكلين، يلعب دوراً في آلية المرض. ويُؤمل أن تتيح هذه الأبحاث في المستقبل أدوات تشخيص أكثر دقة وفي مراحل مبكرة. كما أن إمكانية الكشف عن المرض عبر تحليل السائل الدماغي الشوكي أو أنسجة بيولوجية أخرى بدأت تأخذ مكانها تدريجياً في الممارسة السريرية.

أما من حيث العلاج فإن الأدوية المتوفرة فعالة بشكل عام، خاصة في المراحل الأولى من المرض؛ فهي تسمح غالباً بتحسن واضح في الأعراض واستعادة النشاط اليومي. لكن مع مرور الوقت تتغير فعالية هذه العلاجات، وبعد عدة سنوات قد تظهر مضاعفات مرتبطة بالمرض نفسه وكذلك بالعلاج.

وقد يعاني المرضى من تقلبات حركية، إذ تتناوب فترات يكون فيها العلاج فعالاً مع فترات تعود فيها الأعراض بشكل مفاجئ. كما قد تظهر حركات لا إرادية تُسمى “الديسكينيزيا”، غالباً ما تكون مرتبطة بالأدوية الدوبامينية. وتمثل هذه المضاعفات مرحلة مهمة في تطور المرض، وتتطلب تعديلاً دقيقاً في العلاج.

عندما تصبح هذه التقلبات معيقة يمكن اقتراح علاجات أكثر تقدماً، يُعد التحفيز الدماغي العميق من أبرزها، إذ يقوم على زرع أقطاب كهربائية في مناطق محددة من الدماغ، غالباً في النوى تحت المهاد، بهدف تعديل نشاطها من خلال تحفيز كهربائي مستمر. وتسمح هذه التقنية بتقليل التقلبات وتحسين جودة حياة المرضى الذين يتم اختيارهم بعناية.

في المغرب تُجرى هذه العمليات حالياً في عدة مراكز، خاصة في فاس والرباط ومراكش والدار البيضاء. وتتطلب هذه الجراحة فريقاً طبياً متمرساً يتمتع بخبرة كافية في اختيار المرضى، وفي التقنية الجراحية، وكذلك في ضبط إعدادات التحفيز بعد العملية؛ وهي رعاية تتجاوز بكثير مجرد العمل الجراحي.

كما توجد بدائل أخرى، مثل العلاجات التي تُعطى بشكل مستمر عبر مضخات، وخاصة مضخات الأبو مورفين، التي أصبحت متوفرة في المغرب. وتسمح هذه الطريقة بتثبيت مستوى الدوبامين وتقليل التقلبات الحركية.

ولا ينبغي للمرضى أن يخشوا هذه العلاجات المعروفة بالعلاجات من الخط الثاني، مثل التحفيز الدماغي، إذا ما تم اعتمادها من طرف الفريق المتخصص، إذ إن فرص تحسين الأعراض تكون معروفة مسبقاً قبل الجراحة من خلال اختبار خاص يُجرى لتقييم الاستجابة. ومع ذلك تبقى بعض المضاعفات النادرة جداً ممكنة، ويتم شرحها بوضوح للمرضى. وتكون موازنة الفائدة مقابل المخاطر في صالح العلاج عندما يتم اتخاذ القرار المناسب.

وإلى جانب العلاجات يبقى عنصر أساسي لا يمكن إغفاله، وهو النشاط البدني، فلا ينبغي اعتباره مجرد عامل مساعد، بل جزءاً أساسياً من العلاج، إذ يساعد على الحفاظ على الحركة والتوازن والاستقلالية.

ورغم هذه التطورات مازال الوصول إلى العلاج يشكل تحدياً، فالعلاجات المتقدمة مكلفة، ولا تكون متاحة دائماً لجميع المرضى. كما أن توفر بعض الأدوية قد يكون غير منتظم. وتطرح هذه الصعوبات مسألة العدالة في الولوج إلى العلاج وتنظيم مسار الرعاية الصحية.

في المغرب توجد اليوم بعض الجمعيات التي تساهم في مرافقة المرضى المصابين بهذا المرض، وكما هو الحال في باقي الدول يتمثل دورها أساساً في تقديم الدعم الإنساني، وتشجيع تبادل الخبرات، ونقل انشغالات المرضى، خاصة في ما يتعلق بالوصول إلى الرعاية الصحية، وتوفر الأدوية، وإمكانية الاستفادة من العلاجات المتقدمة.

وفي عصر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تنتشر المعلومات بسرعة، يزداد هذا الدور أهمية، لكنه يتطلب أيضاً الحرص على جودة ودقة المعلومات المتداولة، لتفادي أي توجيه غير مناسب؛ فالمعلومة الطبية تبقى مسألة فردية، تجب مناقشتها مع طبيب الأعصاب المعالج، باعتباره الأقدر على تقييم حالة كل مريض بشكل خاص.

يبقى مرض باركنسون مرضاً مزمناً ومتطوراً، لكن التقدم الطبي وفهم آلياته بشكل أفضل يسمحان اليوم بالتأثير بشكل ملموس على مساره. ويظل التحدي الأساسي هو تحسين الوصول إلى هذه التطورات وتعزيز وعي المجتمع بهذا المرض.

* طبيب أعصاب (Neurologue) | رئيس الجمعية المغربية لأمراض الدماغ والجهاز العصبي | مختص في مرض باركنسون والتحفيز الدماغي العميق.

The post "باركنسون" في المغرب بين الخصوصية الجينية وتحديات المنظومة الصحية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress