بريطانيا أمام سابع رئيس وزراء خلال عقد... ستارمر يرحل وبورنهام على خط الخلافة
تدخل بريطانيا مرحلة سياسية جديدة مع إعلان رئيس الوزراء كير ستارمر تنحيه عن زعامة حزب العمال ورئاسة الحكومة في أعقاب تمرد داخل الحزب، ما يمهد الطريق أمام آندي بورنهام، العمدة السابق اليساري، ليصبح على الأرجح سابع رئيس وزراء للبلاد في غضون عشر سنوات.
السياسة البريطانية غير مستقرة
وأصبحت السياسة البريطانية غير مستقرة بشكل متزايد خلال العقد الماضي، بدءاً من استفتاء عام 2016 على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، الذي كشف عن خطوط صدع جديدة بشأن قضايا مثل الهجرة، والتي بدأت في زعزعة الهيمنة التقليدية لحزبي العمال والمحافظين التي سادت خلال القرن الماضي.
وأدت سلسلة من الصدمات، من "بريكست" وفيروس "كورونا" والحرب في أوكرانيا، إلى جانب ضعف النمو الاقتصادي والارتفاع المفاجئ في معدلات الهجرة، إلى إحباط العديد من الناخبين.
الإطاحة بستارمر... وصعود بورنهام؟
خلال عطلة نهاية الأسبوع، صعّد نواب "حزب العمال" الضغط على ستارمر ليفسح المجال أمام بورنهام لتجنب اندلاع حرب داخلية مطولة داخل الحزب.
ورأى عدد متزايد من نواب الحزب أن الإبقاء على ستارمر سيؤدي إلى هزيمة ساحقة في الانتخابات العامة المقبلة عام 2029، وأن بورنهام، الذي يحظى بشعبية أكبر بكثير بين الناخبين، يمنحهم أفضل فرصة للاحتفاظ بمناصبهم وصد حزب "الإصلاح" اليميني الصاعد وزعيمه نايجل فاراج.
وكان برنهام حتى وقت قريب عمدة منطقة مانشستر الكبرى، ثاني أكبر منطقة حضرية من حيث عدد السكان في المملكة المتحدة. وفي غضون أسابيع، من المقرر أن يتولى قيادة خامس أكبر اقتصاد في العالم.
سيرث بيرنهام اقتصاداً يعاني من انخفاض الإنتاجية، وارتفاع تكاليف الاقتراض، وشيخوخة السكان. وقد بلغت الضرائب أعلى مستوياتها منذ أجيال، بينما يتجه الإنفاق الحكومي نحو الارتفاع. وتعد الهجرة إحدى القضايا الرئيسية. فقد ارتفعت الهجرة الشرعية وغير الشرعية إلى مستويات قياسية بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
مثل بقية دول أوروبا، تواجه الأحزاب التقليدية في بريطانيا تحديات من الأحزاب الجديدة والشعبويين من جميع الأطياف. وحظي حزب "الإصلاح" بتأييد الطبقة الوسطى من أنصار حزب المحافظين وقاعدة الطبقة العاملة لحزب العمال، في حين أضر "حزب الخضر" الشعبوي بشعبية "حزب العمال" بين اليساريين في المدن.

انتكاسة ستارمر
ويُنسب إلى ستارمر الفضل في إعادة تشكيل "حزب العمال" ليصبح حزباً قادراً على الفوز بالانتخابات، بعدما حقق انتصاراً حاسماً في 2024 أنهى 14 عاماً من حكم المحافظين.
لكن ولايته تعثرت بسبب هفوات تراوحت بين خفض المساعدات الاجتماعية والانتقادات الموجهة إلى خططه للإنفاق الدفاعي.
وكاد ستارمر أن يُطاح في آذار/مارس بسبب قراره غير الموفق تعيين بيتر ماندلسون، المعروف بصلته بالأميركي جيفري إبستين المدان بجرائم جنسية، سفيراً للمملكة المتحدة في واشنطن.
كذلك، واجه صعوبة في التصدي للصعود السريع لحزب "ريفورم يو كاي" اليميني المتطرف والمناهض للهجرة، الذي هزم "حزب العمال" في الانتخابات المحلية في أيار/مايو، ما أضعف موقع ستارمر أكثر.
أزمة قيادة أم تغير في المزاج الشعبي؟
يقول أستاذ الدراسات الشرق أوسطية في معهد الدراسات السياسية في باريس كريم إميل بيطار لـ"النهار": "إنها بالفعل أزمة قيادة داخل حزب العمال"، مشيراً إلى أن "ستارمر يغادر بعد أقل من عامين على الانتصار التاريخي لعام 2024، تحت ضغط نواب ووزراء من حزبه، وبعد نتائج محلية سيئة، ومع ترسخ الانطباع بأنه لم يعد الرجل القادر على قيادة الحزب في الانتخابات المقبلة".
ويضيف أن "برنهام يبرز منذ الآن بوصفه المرشح الأوفر حظاً، ما يدل على أن الاعتراض الداخلي قد تبلور حول بديل موثوق من داخل الحزب".
لكن الأهم، من دون شك، بحسب بيطار، هو "التحول الأعمق في المزاج السياسي البريطاني"، لافتاً إلى أن "ستارمر فاز في عام 2024 ليس بسبب حماسة جارفة لمشروع حزبه، بل بفعل استنفاد الدورة المحافظة، بعد البريكست، وجونسون، وتراس، وسوناك، والتضخم، والفضائح".
ويضيف: "كانت مشكلته لاحقاً في عجزه عن تحويل أغلبية برلمانية هائلة إلى سردية سياسية قادرة على التعبئة. وما سيبقى في الأذهان هو افتقاره إلى رؤية واضحة ومقروءة، وتقلّباته، وصعوباته في ملفات الهجرة والطاقة وكلفة المعيشة، والانطباع العام بأن حكومته كانت بلا نفَس. كما أنه قمع التظاهرات المؤيدة لفلسطين بقسوة، عبر إجراءات مقيدة للحريات".
ويؤكد بيطار أن "الأسباب العميقة متعددة: التعب ما بعد البريكست، أزمة كلفة المعيشة، القيود المالية، خيبة الأمل من الأحزاب التقليدية، التشظي الانتخابي، صعود حزب الإصلاح على اليمين، وصعود الخضر أو قوى أخرى على اليسار، فضلاً عن التوتر الداخلي في حزب العمال بين الحذر الإداري والمطالبة بقطيعة اجتماعية".
ويرى أن ستارمر كان يجسد وعد "العودة إلى الحياة الطبيعية" بعد الفوضى المحافظة؛ غير أن جزءاً من الرأي العام البريطاني "لم يعد يريد مجرد عودة إلى الوضع الطبيعي، بل يريد نتائج سريعة".