بغداد من الجغرافيا المتاحة إلى الجغرافيا المتخيلة
"أين يقع خان جغان؟" سألت ذات مرة الشيخ جلال الحنفي. والحنفي، وإن كان أمام جامع الخلفاء، الذي أعاد المعمار محمد مكيّة بناءه في شارع الجمهورية، الذي سُمي في ما بعد بشارع الخلفاء، هو مؤلف الكتاب الأكثر شهرة عن عروض الشعر العربي، كما أن معرفته بدروب ومحلات وتضاريس بغداد القديمة لا ترتبط ببغداديته فحسب، بل بدروسه مؤرخاً أيضاً.
التفت إليّ بسخرية "هل تفكّر في دخول الجنة؟". وهنا تذكّرت المثل العراقي الشائع "هي الجنة خان جغان، يا هو اليجي يدخل فيها". تلك العبارة تنطوي على معنى مزدوج. فالجنة ليست فندقاً يدخله من يشاء، غير أن خان جغان، وهو أثر عثماني اختفى بعدما هُدم في عشرينيات القرن العشرين، كان شبيهاً ببرج بابل من جهة تعدد لغات نزلائه.
لا يحتاج سكان الجنة إلى اللغة، فهم في منطقة تقع ما قبل اللغة التي هي اختراع بشري. قال لي الحنفي "حين هُدم خان جغان حلت محله سوق الهرج. ولكنها ليست السوق التي تعرفها حضرتك". أعرف أني لن أنجو من سخريته ولكنني سألته "ألا تذهب إلى سوق الهرج وأنت في طريقك إلى مقهى أم كلثوم؟". انتفض كما لو أنني رشقته بماء بارد: "الإنصات إلى أم كلثوم يحتاج إلى موهبة لا يملكها الكثيرون".
أما من يذهب إلى سوق الهرج فيحتاج إلى أن يضع خياله في علبة ويستسلم للأنتيك الرث والخردة. ولستُ ممَن يستهلكون أعصابهم في "الثقافة الشعبية". ولأن الشيخ كان مسرعاً في مشيته فقد أجّلت أسئلتي إلى لقاء آخر، وهو ما لم يتحقّق؛ ذلك لأنني غادرت العراق قبل أن يغادر الشيخ الحياة بعشر سنوات.
لو أنني التقيت مصطفى جواد في سوق الصدرية، وأخبرته بأن بغداد صارت خان جغان لما صدّقني. فالرجل حرص على أن يكلم الناس بفصحى بغدادية، خُيل إليه أنها ليست عسيرة على العاديين. ولكنّ الناس العاديين لم تكن لديهم خبرة باللغة باعتبارها نافذة على العالم إلا بعدما اكتشفوا أن "راشد يزرع"، وهي الجملة الأولى في برنامج محو الأمية الذي اعتبره حزب البعث هدفاً في برنامجه السياسي وستمهّد لعلاقة جديدة باللغة.