بوصوف: "إعلان مراكش" يقدم الرد الفكري على موجة التطرف والإرهاب
أكد عبد الله بوصوف، الباحث الأكاديمي والأمين العام لمجلس الجالية المغربية بالخارج، أن “إعلان مراكش لحقوق الأقليات الدينية في العالم الإسلامي” استمدّ ثقله من السياق الزمني الذي صدر فيه، موضحاً أنه “انبثق في مرحلة طبعتها تشنجات حادة شهدها العالمان العربي والإسلامي، بل والمجتمع الدولي، جراء تصاعد الصدامات والتطرف والإرهاب، وهي الموجة التي انطلقت شرارتها منذ أحداث 11 سبتمبر بالولايات المتحدة”.
وأشار بوصوف، خلال محاضرة ألقاها ضمن البرمجة الرسمية لمنتدى أبوظبي للسلام بالمعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، إلى تمدد تنظيمات كـ”القاعدة” و”داعش” في العراق وسوريا، وصولاً إلى الاعتداءات الإرهابية التي ضربت فرنسا وإسبانيا وبلجيكا والمغرب ومصر، فضلاً عن دول إفريقية عدة عانت من جماعات متطرفة كـ”بوكو حرام” في نيجيريا ومالي.
وفي الندوة التي ناقشت موضوع “إعلان مراكش التاريخي: آفاق العيش المشترك في عالم متغير”، شدد الأكاديمي المغربي على أن الإعلان “جاء في مناخ سادته خطابات الكراهية، ووُضعت فيه العقيدة الإسلامية تحت مجهر التساؤل”، مبرزاً أن السؤال الجوهري الذي كان يُطرح عقب كل فاجعة إرهابية هو: “ما موقف المسلمين والإسلام مما جرى؟”.

وواصل المتحدث شارحاً: “لقد أضحى كل مسلم، ولا سيما في ديار الغرب، متهماً مفترضاً بالإرهاب، جراء الخلط الممنهج بين الدين والتطرف في المنابر الإعلامية والخطاب السياسي، وحتى في بعض الأوساط الأكاديمية”، منبهاً إلى أن “المسلمين، حينها، افتقروا للأجوبة الكافية؛ نظراً لغياب أدبيات واجتهادات فقهية تسعف في التفريق بين الإرهاب كأحداث، والإسلام كدين، أو في تحديد الموقف الإسلامي من الآخر، سواء كان متديناً أو غير متدين”.
ومضى بوصوف قائلاً: “كل ما كنا نجده في كتاباتنا كان مرتبطاً بفقه أهل الذمة، وهو فقه لم يكن يؤهّل المسلمين، خاصة في الغرب، للإجابة عن هذا السؤال”، موضحاً أنه في نظر الآخرين “يُعتبر الذمي مواطناً من الدرجة الثانية، وليس مواطناً كامل المواطنة”، وزاد: “عندما نقول إن الإسلام كان يحمي أهل الذمة يُقال إن ذلك يخص مواطناً من الدرجة الثانية، وفيه نوع من الانتقاص من الكرامة والمواطنة”.
وأضاف الباحث نفسه: “عندما نقول إن الإسلام يسمح بأداء الشعائر يُقال إن ذلك يتم في ظروف معينة وتحت شروط كثيرة”، مبرزاً أن “هذا الوضع حتّم الرجوع إلى التاريخ الإسلامي، فنذكر ابن حزم في الأندلس وكتابه (الفصل في الملل والنحل)، أو نذكر الشهرستاني وكتابه (الملل والنحل)، لكن هؤلاء كانوا بعيدين عن واقعنا المعاصر؛ أو كنا نلجأ إلى كتب مثل (كتاب الخراج) لأبي يوسف القاضي، أو كتابات ابن قدامة الدمشقي، وغيرها من الكتب التي تناولت أهل الذمة بمنطق الجباية مقابل الحماية، وهو ما لم يكن يقنع الآخر بموقفنا من المواطنة”.

وهكذا جاء إعلان مراكش، وفق الأكاديمي، “ليزيح اللثام عن اجتهاد جماعي، وهذه خاصيته الأساسية”، مسجلاً أنه يحمل هذه الصفة على نحو معنوي، “فقد وقّعه أكثر من 300 عالم يمثلون أكبر المؤسسات الإسلامية، كالأزهر ورابطة العالم الإسلامي، فضلاً عن كونه صدر تحت الرعاية السامية لزعيم ديني هو أمير المؤمنين الملك محمد السادس”، وزاد: “هو ليس أميراً للمؤمنين في المغرب فقط، بل له امتداد رمزي لدى كل من ينضوي تحت النموذج المغربي، الذي يتسم بالتسامح والوسطية والاعتدال والاعتراف بالآخر”.
واعتبر الأمين العام لمجلس الجالية أن “هذا ما يضفي قيمة مضافة للإعلان، إذ صدر تحت رعاية زعامة دينية ذات بعد عالمي”، وزاد: “ولا يخفى استقبال جلالة الملك للبابا في مدينة الرباط، وتوقيع (وثيقة القدس) باعتبارها عاصمة لكل الأديان والثقافات، كما سبقه في ذلك الملك الحسن الثاني الذي استقبل البابا أيضاً في ملعب لكرة القدم بحضور عشرات الآلاف من الشباب”.
إن الرعاية الملكية لهذا الإعلان، وفق بوصوف الذي يعد مؤرخاً أيضاً، “أضفت عليه صبغة خاصة، وأعطته قوة وقيمة؛ لأنه لم يصدر عن هيئة محدودة أو عالم بعينه، بل عن 300 عالم يمثلون المؤسسات الدينية في العالم الإسلامي، وتحت رعاية قيادة دينية رمزية”.

وتطرق المتحدث أيضاً إلى صاحب المبادرة، الشيخ عبد الله بن بية، “الذي يمكن اعتباره من كبار علماء العصر، لما يجمعه من علم شرعي وثقافة واسعة، خاصة في ما يتعلق بتاريخ الغرب وثقافته”، موردا أنه “يتحدث عن الفلسفة، وعن عصر الأنوار، وعن كبار مفكري الغرب، ولم تكن هذه القدرة متوفرة عند كثير من العلماء الآخرين للتفكير في هذا الموضوع بهذه الرؤية، ومحاولة إيجاد جواب لسؤال مستعصٍ”.
وإلى جانب ذلك يرى بوصوف أن “ما يميز الإعلان أيضاً أنه اعتمد على اجتهاد فقهي جماعي، ولم يكن مجرد رأي سياسي أو طرح فكري، وهو ما يمنحه تأصيلاً في الفكر الإسلامي، وقد يؤتي ثماره مستقبلاً”، مسجلاً أن “اختيار مراكش لاحتضان اللقاء لم يكن اعتباطياً، بل له دلالته؛ فالمدينة كانت عاصمة لإمبراطوريات مغربية، واحتضنت اليهود والمسيحيين في فترات متعددة، في عهد المرابطين والموحدين والسعديين، وصولاً إلى الدولة العلوية”.
ومضى الباحث قائلاً: “رغم ما يُقال عن تشدد الدولة الموحدية في بعض الفترات، وإرغام بعض اليهود على اعتناق الإسلام، مثل موسى بن ميمون الذي غادر إلى الأندلس ثم إلى مصر، فإن الدولة الموحدية، بعد المهدي بن تومرت، عرفت أيضاً فترات من الانفتاح؛ حيث كتب الخليفة المرتضى رسالة إلى البابا إينوس يطلب فيها إرسال قسٍّ لرعاية شؤون المسيحيين في مراكش والمغرب، بأسلوب بليغ ومحترم”.

وأشار الأكاديمي إلى أن “الخليفة المرتضى هو الذي ارتقى بكنيسة مراكش إلى أسقفية، بعد أن كانت مجرد كنيسة في عهد المرابطين، ما يدل على وجود فترات من الانفتاح، خاصة تجاه المسيحية”، مستحضراً كذلك عهد المرابطين، حين كان المسيحيون يشاركون في الجيش، ومبرزاً أن ابن عذاري المراكشي يذكر أن جيش علي بن يوسف كان يضم حوالي 4 آلاف مسيحي، وكان يُسمح لهم بأداء صلاة الاستسقاء إلى جانب المسلمين.
واحتضنت مراكش، يضيف بوصوف، كبار العلماء مثل القاضي عياض، وابن رشد، وابن عربي، وابن طفيل الذي كان الخليفة الموحدي يتحاور معه في الفلسفة، كما احتضنت الطائفة اليهودية التي اشتغلت بالتجارة وكانت قريبة من السلطة، بالإضافة إلى الدور المهم للمرأة، مثل زينب النفزاوية، مستشارة يوسف بن تاشفين مؤسس المدينة.
وخلص الكاتب إلى أن “مدينة النخيل”، بهذا المعنى، هي “من المدن القليلة في العالم الإسلامي التي جمعت بين روح العقيدة الأشعرية، والمذهب المالكي، والتصوف السني”، مردفا بأنه مر بها ابن عربي وعاش فيها، وهو من الشخصيات الدينية التي حظيت بقبول واسع عبر التاريخ لدى المسلمين سنة وشيعة، ولدى غير المسلمين أيضاً، لتكون المدينة بهذا التاريخ والتنوع مؤهلة لتكون منطلقاً لإعلان يحمل رسالة التعايش والاعتراف بالآخر في عالم مضطرب.
The post بوصوف: "إعلان مراكش" يقدم الرد الفكري على موجة التطرف والإرهاب appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.