بوعياش: الانتخابات حق دستوري كوني
أكدت أمينة بوعياش، رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، أن “الانتخابات ليست فقط آلية إجرائية لتداول السلطة والمشاركة في إدارة الشؤون العامة، بل هي في جوهرها حق دستوري وكوني يرتبط ارتباطا وثيقا بمجموعة من حقوق الإنسان الدستورية والكونيّة الجوهرية الأخرى، من حق الأفراد في التصويت والترشح، إلى الحرية المطلقة في الرأي وحرية الاختيار، وحرية التعبير، والمشاركة في تدبير الشأن العام، والمساواة في الولوج إلى الفضاء العمومي والمعلومة”.
وأضافت بوعياش، خلال كلمتها في افتتاح المؤتمر العاشر حول حقوق الإنسان وقوانين الانتخابات الذي ينعقد بمراكش، الجمعة، أن “أي تحول يمس شروط النقاش العمومي، أو يؤثر في تشكيل الرأي العام بشكل ملتبس أو احتيالي، أو يعيد رسم العلاقة بين المواطن والمعلومة، يصبح بالضرورة تحولا يمس البنية الحقوقية للممارسة الديمقراطية نفسها؛ ما يطرح سؤال كيف يمكن حماية الحقوق والحريات الأساسية وتحصين العمليات الانتخابية الديمقراطية في زمن أصبحت التكنولوجيا الرقمية تعيد تشكيل المجال العمومي، سلبا أو إيجابا؟”.
وتابعت المتحدثة نفسها، بمناسبة هذه الدورة العاشرة التي تتمحور حول الانتخابات وحقوق الإنسان في عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي: “نقف في زمننا هذا أمام لحظة جديدة قد تكون مفصلية وحاسمة، في ظل تسارع موجة غير مسبوقة من التكنولوجيات الناشئة والمتقدمة ونظم الذكاء الاصطناعي، بما تحمله من إمكانيات هائلة لتحويل المجتمعات وإعادة رسم ملامح المستقبل، فالتكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي أصبحا جزءا لا يتجزأ من تفاصيل حياتنا اليومية، ويؤثران بشكل متزايد في كيفية مشاركتنا في الحياة العامة وفي النقاش العمومي”.
واستدركت الحقوقية نفسها بأن “هذه التحولات تطرح تحديات عميقة ومعقدة، خاصة عندما يتعلق الأمر بحماية حرية الاختيار، وضمان نزاهة النقاش العمومي، وصون الثقة داخل المجتمعات الديمقراطية؛ فالفضاءات الرقمية لم تعد فضاءات للتواصل، بل امتدادا حقيقيا للفضاء العام، إن لم تكن الفضاء العام بامتياز، تتشكل داخله المواقف والتصورات والاختيارات الجماعية”، وزادت: “لذلك لابد أن أتوقف عند التضليل والمعلومات المضللة، التي تمس جوهر وفلسفة العمليات الانتخابية وبحرية الاختيار، وبسلامة النقاش العمومي، وبالثقة الضرورية التي تقوم عليها المؤسسات الديمقراطية، خصوصا عندما يتم التلاعب بالوعي الجماعي، مع التأثير العابر للحدود، وهي جميعها تحديات حقيقية أمام الديمقراطيات المعاصرة”.
“إذا أعادت الثورة الرقمية رسم شروط تداول الخطاب العمومي فإن الذكاء الاصطناعي يمثل اليوم تحولا نوعيا أكثر عمقا، بما يوفره من إمكانيات غير مسبوقة لإنتاج المحتوى وتوجيهه وتضخيمه، حتى أصبح من الصعب أحيانا التمييز بين الحقيقي والمفبرك، وبين المعلومة الصحيحة والمعلومة المضللة، الأمر الذي يمنحها قابلية أكبر للانتشار والتأثير، وبسرعة تفوق أحيانا قدرة المجتمعات والمؤسسات على التحقق والتصحيح، في ظل تواصل ضعف ثقافة التحقق من المعلومة قبل المشاركة!”، تورد بوعياش.
وذكرت رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان بـ”أهمية هذه التحولات، التي تتيح فرصا غير مسبوقة لتعزيز الحقوق والحريات وفعليتها، من خلال توسيع الولوج إلى المعلومة، وتحسين الخدمات العمومية، وتيسير المشاركة، وفتح إمكانيات جديدة للتفاعل المدني والمؤسساتي”، منبهة إلى “ما يمكن لهذه الفضاءات والنظم أن تولده من أدوات مهمة لدعم الشفافية بشكل عام والشفافية الانتخابية بشكل خاص، فضلا عن تطوير آليات الرصد والتقييم، وتعزيز فعالية السياسات العمومية، بشكل أسرع وأقل تكلفة وأكثر نجاعة”.
وبحسب المتحدثة ذاتها فالأمر “لا يتعلق بشيطنة التكنولوجيا، بل بضرورة التفكير الجماعي في شروط الحكامة الديمقراطية لهذه التحولات، وفي الكيفية التي يمكن من خلالها ضمان بقاء الإنسان، وحقوقه، وحرياته، في قلب هذه الديناميات الجديدة، من التصميم إلى التكوين ومن الاستخدام إلى تقييم الأثر؛ فالرهان الحقيقي هو القدرة على تأطير نظمه ضمن أفق حقوقي واضح، يضمن الشفافية والمساءلة وعدم التمييز، ويحمي حرية الاختيار واستقلالية الأفراد”.
وأشارت المسؤولة الحقوقية نفسها إلى أن “المجلس الوطني لحقوق الإنسان، باعتباره مؤسسة تترأس اعتماد الملاحظين وتقوم بملاحظة الانتخابات، انكب على فهم التحولات وإدماجها ضمن رؤية حقوقية ومؤسساتية واضحة ومتوازنة”، مردفة: “شكلت محطة انتخابات 2021 لحظة دالة في هذا المسار، من خلال إدماج عمليات تحليل الخطاب الرقمي وتتبع ديناميات انتشار المعلومات وفهم أنماط التأثير داخل الفضاءات الرقمية، وتتبع التفاعل على شبكات التواصل الاجتماعي ورصد ديناميات المشاركة”، ومؤكدة “مواصلة الجهود خلال الانتخابات التشريعية 2026 من أجل تجويد ملاحظتنا للانتخابات، بتطوير آليات التدقيق وتعزيز قدرات الملاحظين، بما فيها رصد المؤشرات المبكرة للمخاطر وتحليل المعطيات واستثمارها بشكل منهجي لتحسين فعالية التدخلات والرصد”.
واقترحت بوعياش “أن يسدل الستار على المؤتمر بوثيقة ختامية تكون مرجعا لإحداث فضاء منتظم للحوار وتبادل الخبرات والتفكير الجماعي بين الفاعلين والباحثين والمؤسسات من مختلف دول الجنوب العالمي، وأن يكون هذا الفضاء إطارا للنقاش والتلاقي وتطوير مقاربات مشتركة قادرة على مواكبة هذه التحولات المتسارعة من منظور حقوقي، وأن يكون أداة لتعزيز المشاركة والحرية والعدالة”، خاتمة: “لذا تظل مسؤوليتنا المشتركة هي العمل على بناء حكامة رقمية وتكنولوجية ديمقراطية، تجعل الإنسان في صلب التحول التكنولوجي، وتحافظ على قيم الحرية والشفافية والمساءلة والحقوق داخل المجال العمومي، مهما تغيرت أدواته وأشكاله وفضاءاته”.
ويعرف المؤتمر مشاركة قضاة من دول متعددة، وخبراء وخبيرات من أمريكا اللاتينية وأوربا والمغرب، ومسؤولين/ات وممثلين/ات عن مؤسسات وطنية وهيئات انتخابية ومنظمات دولية وإقليمية، بالإضافة إلى أكاديميين وباحثين وفاعلين في مجالات حقوق الإنسان والرقمنة والذكاء الاصطناعي والانتخابات، سيبحثون عددا من المحاور الأساسية، من أبرزها: آثار الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الرقمية على العمليات الانتخابية، ملاحظة الانتخابات عبر الإنترنت: التحديات والفرص، المنازعات الانتخابية وسبل الطعن القضائي في العصر الرقمي، الحملات الانتخابية عبر الأنترنيت والتواصل المعتمد على الذكاء الاصطناعي، فضلا عن قضايا الشفافية الخوارزمية والأمن السيبراني وحماية الحياة الخاصة والمعطيات الشخصية في السياق الانتخابي.
وستستعرض خلال جلسات هذا الموعد تجارب مقارنة وممارسات فضلى تتعلق باستخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في تدبير العمليات الانتخابية، وأدوار المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان والهيئات الانتخابية والفاعلين الرقميين في مواكبة هذه التحولات وضمان احترام الحقوق والحريات الأساسية.
The post بوعياش: الانتخابات حق دستوري كوني appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.