بيار الجميل وهانا آرندت: عندما يصبح التّأسيس فعلاً في التاريخ

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;} الخوري ريمون أبي تامر

 

لم تكن بيروت في ثلاثينيات القرن الماضي مدينة عادية. كانت مدينة تتكوّن فيها للمرة الأولى أسئلة لبنان الحديث. بين المرفأ والصحف والمدارس والجامعات والجمعيات الشبابية، كان الكيان اللبناني الناشئ يبحث عن لغته السياسية الخاصة وعن معنى وجوده بين محيط مضطرب وتحولات دولية كبرى.

 

في تلك المرحلة لم يكن التحدي مقتصراً على إدارة دولة جديدة، بل يتمثل في تحويل لبنان من فكرة دستورية إلى مجتمع سياسي حيّ. وكانت شرائح واسعة من اللبنانيين، ولا سيما داخل البيئة المسيحية، تنظر إلى الكيان اللبناني بوصفه مساحة حرية يجب ترسيخها وحمايتها، لا مجرد واقع جغرافي أو إداري.

 

في هذا السياق ظهر بيار الجميل. لم يدخل الحياة العامة بوصفه ساعياً إلى موقع سياسي فحسب، ولكن بوصفه رجل بداية. وهنا تلتقي سيرته مع فلسفة هانا آرندت التي رأت أن المعجزة السياسية الوحيدة هي القدرة على البدء. فكل إنسان يولد في العالم يحمل إمكانية أن يبدأ شيئاً جديداً لم يكن موجوداً قبله. والسياسة في جوهرها ليست إدارة ما هو قائم فقط، ولكن القدرة على تأسيس عالم مشترك يفتح آفاقاً جديدة للفعل والحرية.

 

من هذا المنظار يمكن قراءة تجربة بيار الجميل. فالرجل الذي دخل الحياة العامة في ثلاثينيات القرن الماضي كان أكثر من مجرد زعيم حزبي أو قائد سياسي. كان، في معنى آرندت العميق، رجل تأسيس حاول أن يخلق ساحة جديدة يظهر فيها جيل كامل بوصفه فاعلاً في التاريخ لا مجرد متلقٍ له.

 

الولادة السياسية – تأسيس الساحة سنة 1936

 

ترى آرندت أن الفعل السياسي العميق يبدأ عندما يخرج الإنسان من عزلته ليظهر أمام الآخرين في ساحة عامة مشتركة. فالحرية لا تتحقق في الداخل فقط، لأنّها تتجلى في المجال العام حيث يلتقي البشر ويتحاورون ويعملون معاً.

 

في عام 1936 أسس بيار الجميل حزب الكتائب اللبنانية. وكان هذا الحدث أبعد من إنشاء تنظيم سياسي تقليدي، إذ مثّل محاولة لفتح ساحة جديدة للدخول إلى المجال العام. فقد أتاح لشريحة واسعة من الشباب أن تنتقل من الروابط العائلية والولاءات التقليدية إلى المشاركة السياسية المنظمة والعمل الجماعي.

 

في هذه اللحظة تخطّى الفرد حدود الانتماءات الضيقة ليصبح فاعلاً في مشروع سياسي واجتماعي يملك تصوراً عن المجتمع والدولة. وهنا تظهر أهمية الفعل التأسيسي في معناه الآرندتي: خلق ساحة تسمح بظهور الفعل والكلام والمشاركة.

 

كانت تلك لحظة ولادة سياسية بامتياز؛ لحظة دخل فيها جيل كامل إلى التاريخ.

 

العهد السياسي – الاستقلال سنة 1943

 

تؤكد آرندت أن السلطة لا تقوم في جوهرها على العنف، ولكن على العهد والوعد المتبادل بين المواطنين. فالناس يصبحون قادرين على بناء عالم مشترك عندما يلتزمون بعضهم تجاه بعض بمشروع سياسي يحفظ استمرار العمل الجماعي.

 

في عام 1943 واجه اللبنانيون سلطات الانتداب الفرنسي في لحظة مفصلية من تاريخهم. ولم يكن الاستقلال مجرد حدث دستوري أو انتقال إداري للسلطة، كان تأسيساً لعهد جديد بين المواطنين والدولة الناشئة.

 

شارك بيار الجميل في هذه المرحلة وتعرض للاعتقال مع عدد من قادة الاستقلال. غير أن أهمية تلك اللحظة تتجاوز الاعتقال نفسه، لأنها مثّلت انتقال اللبنانيين من موقع التبعية إلى موقع المسؤولية السياسية. ومن منظور آرندت، لا يقتصر الاستقلال على الخروج من الانتداب، فالاستقلال الحقيقي يتمثل في قبول مسؤولية بناء عالم سياسي مشترك وإدارته.

 

إنه انتقال من الخضوع إلى الالتزام، ومن التلقي إلى الفعل.

 

التأسيس والمقاومة – عندما يصبح الحفاظ على الكيان فعلاً سياسياً

 

تُظهر هانا آرندت أن السياسة لا تقتصر على لحظة البداية، فهي  تشمل أيضاً القدرة على حماية العالم المشترك من التفكك والانهيار. فكل مشروع سياسي يحتاج إلى من يحافظ عليه ويمنع سقوطه في العدم.

 

من هذا المنظور يمكن فهم جانب أساسي من تجربة بيار الجميل. فالمقاومة هنا تتخطى المعنى العسكري للكلمة، وتُفهم بوصفها مقاومة للذوبان السياسي وفقدان القدرة على الفعل الجماعي. إنها دفاع عن إمكانية استمرار الجماعة في المشاركة بصنع مصيرها وعدم تحولها إلى مجرد موضوع للأحداث التي يصنعها الآخرون.

 

بهذا المعنى تصبح المقاومة امتداداً للتأسيس نفسه. فالتأسيس يخلق المجال العام، والمقاومة تحافظ على شروط بقائه.

 

السياسة في زمن الانهيار – من التأسيس إلى الصيانة

 

مع منتصف السبعينيات دخل لبنان مرحلة مختلفة تماماً. فمع تراجع مؤسسات الدولة وتفككك جزء كبير من بنيتها، تحوّل السؤال من كيف يُبنى المجال العام؟ إلى كيف يمكن الحفاظ عليه من الانهيار؟

 

في هذا السياق برزت المقاومة اللبنانية داخل الجبهة اللبنانية بوصفها إطاراً سياسياً جمع قوى متعددة داخل البيئة المسيحية اللبنانية في محاولة لتنظيم الفعل السياسي في مواجهة تفكك الدولة وتراجع سلطتها المركزية.

 

ومن منظور قريب من تحليل آرندت يمكن فهم هذا التحول باعتباره انتقالاً من فعل التأسيس إلى فعل الصيانة؛ أي محاولة إبقاء السياسة ممكنة في لحظة بدأت فيها شروط السياسة نفسها بالتآكل.

 

أما ما سُمّي بالمقاومة في تلك المرحلة فلا يُفهم فقط كخيار عسكري، ولكن كجهد للحؤول دون سقوط الجماعة في حالة من العنف غير المنظم حيث يفقد الفعل معناه السياسي ويتحول إلى مجرد صراع بقاء.

 

المؤسِّس لا الزعيم

 

في كثير من الأحيان يُقاس القادة بحجم السلطة التي امتلكوها أو بالمناصب التي شغلوها. أما في قراءة هانا آرندت، فإن القيمة الحقيقية تكمن في القدرة على التأسيس.

 

من هذه الزاوية يظهر بيار الجميل أقل كزعيم تقليدي وأكثر كمؤسس سياسي. فالرجل لم يسعَ فقط إلى قيادة جماعة، ولكن إلى إنشاء ساحة يستطيع الناس أن يجتمعوا فيها ويعملوا معاً ويعبروا عن رؤيتهم للمستقبل.

 

إن ما يبقى من المؤسسين ليس الخطابات ولا الشعارات، بل العوالم السياسية التي يتركونها وراءهم. فالسلطة تزول، والأشخاص يرحلون، أما الفعل المؤسس فيستمر ما دام هناك من يحمل فكرته ويمنحه حياة جديدة.


اختلف اللبنانيون وسيختلفون حول مواقف بيار الجميل وخياراته السياسية. وهذا أمر طبيعي في أي قراءة تاريخية لشخصية لعبت دوراً أساسياً في الحياة العامة. غير أن ما يصعب تجاهله هو أنه كان واحداً من أولئك الرجال الذين حاولوا أن يؤسسوا لا أن يديروا فقط، وأن يبنوا ساحة عامة لا أن يشغلوا موقعاً فيها فحسب.

 

لذلك لا تكمن أهمية بيار الجميل في الأجوبة التي قدمها وحدها، بل في السؤال الذي تركه مفتوحاً أمام الأجيال اللاحقة: كيف تتحول الحرية من فكرة إلى فعل؟ وكيف يستطيع مجتمع صغير، وسط عالم مضطرب، أن يحافظ على حقه في صناعة تاريخه بنفسه؟

 

هنا تلتقي سيرة بيار الجميل بفلسفة هانا آرندت. فالتاريخ لا يصنعه الذين يكتفون بالتكيف مع العالم، ولكن أولئك الذين يقررون أن يضيفوا إليه بداية جديدة. وهكذا يصبح التأسيس فعل مقاومة، وتصبح مقاومة الزوال بداية جديدة للتاريخ.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية