بيان ضد الهَرْكاوِيَة والفْرَاقْشِيَة
لم يكن في نيّتي أن أكتبَ هذا البيان، ولا أن أُضيف صوتًا جديدًا إلى ضجيجٍ يَكْفيه ما فيه من الصّراخ، غير أن ما أضحى مُتداولًا اليوم حول “الهركاوية” و”الفراقشية” لم يعد مجرّد نكتة عابرة أو توصيف شعبي ساخر، فقد أضحى علامةً فاضحة على عطبٍ أعمق في السّلوك والمعنى. فحين تتحوّل الوقاحة إلى جرأة، والسّمسرة إلى ذكاء، والتّفاهة إلى حضور اجتماعي، يصبح الصّمت مشاركةً في الجريمة. لذلك أكتب هذا البيان لا دفاعًا عن لغةٍ مهذّبة، وإنما دفاعًا عن وطنٍ أنهكته الحناجر الفارغة، والضمائر المعروضة للبيع في كلّ سُوق.
من سوق الغنم إلى سُوق السّياسة
في أي لحظة تحوّلت الكلمات عندنا من مفاتيح للفهم إلى عصيّ رمزية للتّأديب؟ كيف خرجت ألفاظ من غبار السوق الأسبوعي، ثم دخلت إلى السياسة والثقافة والإعلام كأنها نظريات اجتماعية جاهزة؟ ومتى صار المغربي يحتاج إلى قاموس ساخر كي يشرح خراب السلوك، وفساد المعنى، وانهيار الذّوق العام؟
في المغرب، لا تعيش الكلمات داخل القاموس، ذلك أنها تسكن الأعصاب أيضا. لم يعد “الهركاوي” مجرد شتيمة عابرة، ولم يعد “الفراقشي” مجرد وسيط ماشية في سوق تقليدي. لقد تحوّلا معًا إلى مرآتين قاسيتين تعكسان جانبًا عميقًا من تحولات المجتمع المغربي: الأولى تكشف انهيار السّلوك المدني، والثانية تكشف انهيار المعنى والقِيمة.
بين ضجيج الهركاوي وابتسامة الفراقشي
الهركاوي كائن الضّجيج والاسْتعجال. يقتحمُ الفضاء العام كما يقتحم السوق في ساعة الذروة. يصرخ في الهاتف داخل المقهى، يرمي القمامة من نافذة السيارة، يحتل الرصيف، ويتعامل مع الآخرين كما لو أنهم أثاث مؤقت في طريقه. لا تكمن خطورته في قلة الذوق فقط، وإنما في أنه يحوّل اللامبالاة إلى أسلوب حياة.
لكن الهركاوي لم يعد يسكن الهامش وحده؛ لقد صعد، ولبِسَ البدلة، ودخل البرلمان، وحضر الندوات، وكتب أحيانًا عن “أزمة القيم” وهو يهين النادل لأن القهوة باردة. الهركاوي الحقيقي لا يجهل استعمال الشوكة والسكين فحسب، إنه يستعمل الوطن نفسه مثل منفضة سجائر. يتحدث عن الحداثة ثم يركن سيارته فوق الرّصيف، يدافع عن الديمقراطية ثم يمنع زوجته من الكلام أمام الضُّيوف، يطالب بإصلاح التعليم ثم يشتري شهادة كما يشتري دجاجة من السوق.
أما الفراقشي، فحكايته أكثر برودة ودهاء. بدأ وسيطًا بين البقرة والمشتري، يرفع السّعر حينًا ويخفضه حينًا، ويأخذ عمولته في كل الأحوال. ثم خرجت الكلمة من سوق الماشية ودخلت سوق المواقف. صار الفراقشي السياسي يبيع الاتجاهات لا الخرفان، ويقيس الريح قبل أن يختار موقعه. يبدأ ثوريًا في الصباح، ليبراليًا في الظهيرة، محافظًا في المساء، ثم ينام وطنيًا جدًا. الفراقشي لا يؤمن بالمبادئ، يؤمن بإعادة التموضع. يشبه الحرباء التي لا تغيّر لونها خوفًا، وإنما طمعًا. كان اشتراكيًا حين ربحت الاشتراكية، ثم صار ليبراليًا حين دخلت الاستثمارات، ثم اكتشف الهوية والتراث حين صارت الوطنية سوقًا مربحة. لا يسقط الفراقشي لأنه لا يقف على شيء أصلًا. إنه كائن سائل، يدخل كل وعاء فكري ويأخذ شكله مؤقتًا.
وفي الإعلام، عقد الهركاوي والفراقشي زواجًا كاثوليكيًا عجيبًا: الأول يصرخ، والثاني يسوّق الصّراخ. صار لدينا هركاوي مؤثر يشرح الوطنية وهو يشتم الناس في البثّ المباشر، وفراقشي نخبوي يبيع التحليل السياسي كما تُباع التّوابل: قليل من الشعبوية، قليل من المؤامرة، رشة من الوطنية، ثم طبق ساخن لجمهور غاضب.
حتى الجامعة والثقافة لم تنجوَا من هذا الوباء الرّمزي. يوجد هركاوي أكاديمي يصرخ داخل المدرج عن الثورة المعرفية، لكنه لم يُنه كتابًا واحدًا من غير أن يُصوِّر غلافه للإنستغرام. ويجاوره فراقشي أكاديمي يحوّل المعرفة إلى شبكة مصالح صغيرة، يبيعُ الإشراف، يُوزِّع الرّضا، ويتعامل مع البحْث العلمي كما يتعاملُ وسيط السُّوق مع قطيع الأغْنام: الوزنُ أهمُّ من الرُّوح. وفي الثقافة، ظهر فراقشية المعنى، لا ينتجونَ الأفكار، وإنما يُعيدون تغليفها، يأخذون مفاهيم غَربية مُعقدة، يرشُّون عليها أسْماء فوكو ودريدا، ثم يبيعُونها للجمْهور المحلِّي كأنهم اكتشفُوا النَّار. أما الهركاوي الثقافي، فيحوّل أي نقاش فكري إلى معركة دُيُوك؛ إذا ناقشته في الشِّعْر اتهمكَ بالخيانة، وإذا حدّثته عن الفلسفة سألكَ عن عدد المتابعين، وإذا قلتَ له إن الثقافة تحتاجُ صبرًا ردَّ عليك بفيديو قَصير عنوانه: “مُثقفٌ شهيرٌ ينفجرُ ويُبهدِل الجَميع”.
الكائنان اللَّذان ابتلعا المجال العام
هكذا وجدنا أنفسنا أمام اقتصاد من الهركاوية والفراقشية، حيث تحوّلت مواقع التواصل إلى سوقٍ أسبوعيٍّ ضخم: ضجيجٌ لا ينقطع، وبضاعةٌ تُسوَّق، ومساوماتٌ لا تهدأ، بينما الحقيقة تقف في الهامش، بالكاد يسأل عنها أحد. الهركاوي الرقمي يخلط بين الشتيمة والموقف الفكري، والفراقشي الرقمي يرى في كل مأساة فرصة لرفع التفاعل.
حتى الحزن لم ينجُ من هذا السوق؛ فما إن تقع كارثة حتى يظهر الأول باكيًا أمام الكاميرا، ويظهر الثاني واضعًا إعلانه التجاري على هامش المأساة. إنهما وجهان لانهيار أعمق: انهيار العلاقة بين الإنسان والقيمة. الهركاوي فقدَ الإحساس بالشَّكل، والفراقشي فقد الإحساس بالمضْمون. الأول يعيش بلا ذوق، والثاني يعيش بلا ضمير. الأول يحتلّ الرصيف، والثاني يحتلّ الوعي؛ الأول يفسد الفضاء العام بصوته العالي، والثاني يفسده بخطابه المراوغ.
ولهذا يبدو المشهد أحيانًا مثل مسرح عبثي كبير. الجميعُ يتحدث عن الوطن، والوطن يبحث عمّن يتحدث عنه بِصِدْق. والطفل المغربي يكبر اليوم بين نموذجين شدِيدي القَسوة: أن ينجح بالصراخ، أو أن ينجح بالسمسرة. فأين يذهب الإنسان العادي في بلاد كهذه؟ أين يختبئ من لا يبيع موقفًا، ولا يحتقر أحدًا، ولا يحوّل صوته إلى مشروع مهني؟ هل عليه أن يصرخ كي ينجو؟ أم عليه أن يتعلّم السمسرة كي يحترمه الناس؟ يا للمفارقة؛ في زمن الهركاوي والفراقشي، صار الهدوء شُبهة، والصّدق ضربًا من السّذاجة، أمّا الإنسان النّظيف فغَدا كائنًا نادرًا مثلَ مكتبة عتيقة بقيَتْ وحيدةً في مدينة قرَّرت أن تسكُن داخل شَاشة.
متى نتخلى عن هذا الهُراء كلِّه؟
متى نفهم أن الصراخ لا يبني وطنًا، وأن السمسرة لا تصنع نخبة، وأن تحويل التفاهة إلى مهنة لا يجعلها مشروعًا اجتماعيًا؟ متى نعترف أن جزءًا من خرابنا لا يأتي من “الآخرين”، ولا من المؤامرات، ولا من التاريخ، وإنما من قُدرتنا العجيبة على تبرير القُبح حين يخدم مَصالحنا الصغيرة؟ المشكلة أننا لا نكره الهركاوي لأنه قبيح، نكرهه فقط حين لا يكون في صَفِّنا. ولا نحتقرُ الفراقشي لأنه يبيع المواقف، نحتقره حين يبيعُها لِغَيرنا. أما حين يصرخ الهركاوي باسم قضيتنا، نصفق له. وحين يساوم الفراقشي لصالح جماعتنا، نسميه ذكيًا وواقعيًا و”يعرف من أين تُؤكل الكتف”. هنا يبدأ الخراب الحقيقي: حين يتحول الانحطاط إلى مهارة، والوقاحة إلى جرأة، والانتهازية إلى ذكاء اجتماعي.
عندها لا يحتاج المجتمع إلى عدوٍّ خارجي، لأنه صار يربّي خُصومه داخل بيته، يُطعمهم من لغته، ويصفِّق لهم في هواتفه، ثم يبكي بعد ذلك على ضياع القِيَم. لذلك، نحتاج أن نتخلى عن تقديس “الفَهْلوة” المغربية. تلك القدرة المريضة على الالتفاف حول القانون، وتجميل الغِشّ، وتحويل التّحايُل إلى نكتة وطنية. لا يمكن أن نبنيَ مجتمعًا ونحن نعتبر النزيه “مسكينًا”، والمحتال “ولد النّاس وَوَاعْر”؛ نحتاج أن نتخلى عن ثقافة “دبّرْ رَاسْكْ” حين تعني اسْحَق غيرك كيْ تنجوَ؛ عن عقلية ترى الشارع غنيمة، والإدارة غابة، والسياسة سوقًا، والثقافة واجهة، والوطن مناسبة للخطابة.
الأقسى من وجود الهركاوي والفراقشي أننا صرنا نُنْتجهُما يوميًا في البيت حين نعلّم الطفل أن الأدب ضعف؛ وفي المدرسة حين نكافئ الحفظ ونقتل السُّؤال؛ وفي الجامعة حين نربط المعرفة بالوَلاء؛ وفي السياسة حين نسمح للرداءة أن تتكلم باسْمنا؛ وفي الإعلام حين نحوِّل الجهل إلى ضيْفٍ دائم، والتّفاهة إلى حَدث وطنيّ. ولا خلاص من هذا كله إلا باعتراف جارح: نحن لا نعاني فقط من قلة الإمكانيات، نعاني من فائض الأعْذار. كل شيء عندنا يجد تبريره: الفوضى “ظروف”، الرشوة “قهوة”، الكذب “مجاملة”، النفاق “سياسة”، الرداءة “قرب من الشعب”، والجهل “عفوية”؛ بهذا القاموس المُهترئ يُمكن لأيّ خَراب أن يحصل على شهادة حسن سِيرة.
متى نتخلى عن كلّ هذا؟ حين نتوقف عن تمجيد من ينجح بلا استحقاق؛ حين نكفّ عن اعتبار الأخلاق رفاهية؛ حين نقتنع أن احترام القانون ليس خدمة للدّولة، وإنما حماية لنا من بعْضنا؛ حين نفهم أن الوطن لا يحتاج إلى حنجرة أكبر، وإنما إلى ضمير أقل قابلية للبيع. أما إن واصلنا الطريق نفسه، فسنحصل على النتيجة نفسها: هركاوي أكثر صُراخًا، فراقشي أكثر أنَاقة، مُواطن أكثر تعبًا، ووطنٌ يشبه قاعة انتظار كُبرى؛ الكلّ فيها يتحدث عن الإصلاح، ولا أحدَ يريد أن يبدأ بنفسه.
لنتأمّل؛ وإلى حديث آخر.
The post بيان ضد الهَرْكاوِيَة والفْرَاقْشِيَة appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.