بين التعميم والمساواة: خطوة إيجابية تكشف حدود الإصلاح القانوني
عبير شبارو*
قد يبدو السماح للأم بفتح حساب مصرفي لأولادها القاصرين مسألة إدارية محدودة الأثر، إلا أنّ التعميم الذي أعاد مصرف لبنان التذكير بتفعيله أخيراً يتجاوز في دلالاته الإطار المصرفي، ليعيد فتح نقاش أوسع حول موقع المرأة داخل الأسرة اللبنانية وحدود المساواة الفعلية بين الوالدين.
فالتعميم، الصادر أساساً عام 2009 عن جمعية المصارف بالتعاون مع الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية، يتيح للأم فتح حسابات مصرفية لأولادها القاصرين وتحريكها. وقد لاقى ترحيباً واسعاً باعتباره خطوة إيجابية نحو الاعتراف بالأم كشريك كامل في إدارة الشؤون المالية المرتبطة بأطفالها، بعدما واجهت نساء كثيرات طوال سنوات عراقيل عملية وإدارية في ممارسة هذا الحق، رغم امتلاكهن الأهلية القانونية الكاملة.
حصرية...
وفي حالات عديدة، كانت بعض المصارف تشترط حضور الأب أو موافقته لفتح الحساب أو تحريكه، ما كرّس عملياً حصرية السلطة المالية المرتبطة بالقاصر بالرجل، حتى عندما تكون الأم هي الطرف الأكثر متابعة لشؤون الأطفال وتحمل مسؤولياتهم اليومية.
ومن هنا، تكتسب هذه الخطوة أهمية تتجاوز بعدها المصرفي، لأنها ترتبط مباشرة بالحقوق الاقتصادية للمرأة، وبحقها في الوصول إلى الخدمات المالية واتخاذ القرارات المتعلقة بأولادها بصورة مستقلة. كما أنّها تعكس، ولو بصورة جزئية، اتجاهاً متدرجاً نحو الاعتراف بالأم كشريك متساوٍ داخل الأسرة، لا مجرد طرف مساعد في إدارة شؤونها. ذلك أنّ مسألة الولاية المالية على القاصر لا تنفصل عن موقع الأم القانوني داخل الأسرة بصورة عامة.
غير أنّ أهمية التعميم تكمن أيضاً في كونه يكشف حدود الإصلاح الإداري عندما يصطدم ببنية قانونية أوسع لا تزال تقوم، في جوانب عديدة منها، على عدم المساواة بين الوالدين. فالمشكلة لا تتعلق فقط بحق الأم في فتح حساب مصرفي، بل بكون النساء في لبنان ما زلن يواجهن قيوداً قانونية وإدارية متشابكة في مسائل تتعلق بالأولاد والولاية والجنسية واتخاذ القرارات الأساسية داخل الأسرة، في وقت تتحمل فيه نساء كثر المسؤولية اليومية الكاملة في متابعة شؤون الأسرة والأطفال.
تفاصيل يومية
وتظهر هذه الإشكالية في تفاصيل حياتية يومية تواجهها أمهات كثيرات عند إتمام معاملات تتعلق بالقاصر أو إدارة شؤون الأطفال، خصوصاً في حالات غياب الأب أو سفره أو فقدانه. وتكشف هذه الوقائع كيف يمكن للتمييز القانوني والإداري أن يتراكم في حياة النساء والأطفال، بحيث لا يعود الأمر مرتبطاً بإجراء واحد أو مؤسسة واحدة، بل بمنظومة قانونية واجتماعية أوسع لا تزال تقوم على تفاوت في الحقوق داخل الأسرة.
كما أنّ قوانين الأحوال الشخصية المعمول بها لدى الطوائف المختلفة تمنح الأب، في معظم الحالات، صلاحيات أساسية في إدارة شؤون القاصر المالية والقانونية. لذلك، يبقى هذا التعميم خطوة مهمة، لكنه لا يرقى وحده إلى مستوى الإصلاح التشريعي الشامل. فبحكم طبيعته الإدارية، لا يمكنه تعديل القوانين النافذة التي تنظّم الولاية والعلاقات داخل الأسرة، وهو ما أشار إليه التعميم نفسه من خلال التأكيد على العمل به إلى حين إقرار القانون المرتبط بهذه المسألة في مجلس النواب.
وفي هذا السياق، يصبح من المهم أن تحرص الأمهات عند فتح أي حساب للقاصر على توثيق صلاحياتهن بوضوح داخل عقود الحسابات، والتأكد من تسجيل حقهن في التحريك، والاحتفاظ بالمستندات المرتبطة بالحساب تفادياً لأي نزاع مستقبلي، خصوصاً في حالات الطلاق أو الوفاة أو الخلافات العائلية.
وتعكس هذه الحدود القانونية للتعميم واقعاً أوسع لا تزال تظهر فيه أشكال مختلفة من عدم المساواة بين الوالدين داخل الأسرة. ويظهر ذلك أيضاً في استمرار حرمان المرأة اللبنانية من منح جنسيتها لأولادها على قدم المساواة مع الرجل. ولا ينعكس هذا التمييز على النساء وحدهن، بل يطال الأطفال أيضاً من خلال تأثيره على استقرارهم القانوني وبعض حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية. وهو ما يكشف كيف تتقاطع حقوق المرأة مع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للأطفال داخل الأسرة، وهي المقاربة نفسها التي يندرج ضمنها هذا التعميم لناحية تعزيز الاعتراف بالأم كشريك متساوٍ في إدارة الشؤون المالية المرتبطة بأطفالها.
يبقى التعميم خطوة إيجابية تستحق التقدير، لأنه لا يقتصر على تسهيل إجراء مصرفي، بل يكرّس، ولو جزئياً، الاعتراف بالأم كشريك متساوٍ في إدارة شؤون أطفالها ومسؤوليات الأسرة. غير أنّ المساواة لا يمكن أن تبقى رهناً بتعاميم أو استثناءات إدارية محدودة، فيما تستمر قوانين أخرى في تكريس تفاوت في الحقوق والسلطات داخل الأسرة . فالمساواة الحقيقية تقوم على الاعتراف الكامل والمتساوي بالمرأة كشريكة في المواطنة والأسرة والقرار، وعلى إزالة أشكال التمييز التي لا تزال تنعكس مباشرة على النساء والأطفال معاً، اقتصادياً واجتماعياً وقانونياً.
*خبيرة في شؤون المساواة/ نائبة رئيسة الرابطة اللبنانية لسيدات العمل
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية