بين الثروة والاختلاف السياسي .. "غار جبيلات" يسائل الاندماج المغاربي

عاد الحديث في الآونة الأخيرة عن منجم “غار جبيلات” الواقع قرب منطقة تندوف في جنوب غربي الجزائر على الحدود مع المغرب، والذي تستمر الجزائر في استغلاله بشكل أحادي، ودشنت في فبراير الماضي خطا للسكك الحديدية لنقل خام الحديد من المنجم إلى شمال البلاد؛ باعتباره واحدا من بين الملفات تعقيدا. فهذا المنجم الحدودي، الذي كان يُفترض أن يتم استغلاله بشكل مشترك بين البلدين، ليس مجرد ثروة جيولوجية هائلة باحتياطيات تقدّر بمليارات الأطنان من خام الحديد؛ بل مرآة عاكسة لانكسار أحلام الاندماج المغاربي، وشاهد على تحول إمكانية التعاون الإقليمي إلى فرص ضائعة بسبب عدم قدرة “قصر المرادية” على تجاوز منطق السيادة المنفردة إلى أفق التكامل الوظيفي.

وبين الحقوق التاريخية والقانونية للمغرب في هذا الشأن وبين إصرار الجزائر على استغلال المنجم بصفة أحادية بشراكة خارجية، يؤكد مهتمون أن الرباط تمتلك حججا قانونية صلبة تستند إلى معاهدات موقعة وقرارات أممية واجتهادات قضائية دولية، تجعل من الاستغلال المنفرد للمنجم من طرف الجزائر التي فضلت التحالف مع قوى خارجية على حساب بناء عمق اقتصادي مغاربي، إخلالا واضحا بمبادئ القانون الدولي؛ مما يمنح المملكة أوراقا قوية قد تصل إلى التحكيم الدولي والمطالبة بتعويضات، على الرغم من أن الحقيقة الأكثر إيلاما في هذا الشأن هي أن المنطقة بأسرها خسرت أكثر مما ربحت، لأن هذا المورد الاستراتيجي كان يمكن أن يكون أكثر من مجرد عنوان جديد في سجل الخلافات المغربية الجزائرية.

اندماج وشرعية

قال هشام معتضد، باحث في الشؤون الاستراتيجية، إن “ملف غار جبيلات لا يُقرأ فقط كمنجم حديد ضخم؛ بل كأحد مفاتيح إعادة تشكيل النفوذ الاقتصادي والجيوسياسي في المغرب الكبير ومنطقة الساحل. فحين نتحدث عن احتياطات تُقدّر بمليارات الأطنان من خام الحديد، نحن عمليا أمام أصل استراتيجي قادر على التأثير في خرائط التصنيع الثقيل، وسلاسل الإمداد العالمية، وحتى في معادلات الاستقلال الصناعي والسيادة الاقتصادية للدول”.

وأضاف معتضد في تصريح لهسبريس: “في الحسابات الاستراتيجية البحتة، كان يمكن لمنجم غار جبيلات أن يتحول إلى نواة اندماج مغاربي فعلي، وليس مجرد مشروع استخراج معدني. فالجزائر تملك المورد الخام، بينما يمتلك المغرب أفضلية لوجستية حاسمة تتمثل في البنية المينائية الأطلسية، والربط الإفريقي، والقدرة المتزايدة على جذب التصنيع الأجنبي، خصوصا في مجالات السيارات والطاقة المتجددة. بمعنى آخر، كان يمكن بناء سلسلة قيمة متكاملة: استخراج في تندوف، تحويل صناعي مشترك، ثم تصدير عبر الموانئ المغربية نحو أوروبا وإفريقيا والأمريكيتين”، لافتا إلى أن “هذا النموذج كان سيخلق كتلة اقتصادية مغاربية ذات وزن تفاوضي عالمي في المعادن الاستراتيجية”.

وأكد الباحث في الشؤون الاستراتيجية أن “الجزائر اختارت، منذ عقود، مقاربة مختلفة، تقوم على منطق السيادة المنفردة والاحتواء الجيوسياسي أكثر من منطق التكامل. لذلك، فضّلت إدخال شركاء خارجيين، خصوصا من آسيا، في محاولة لتأمين التكنولوجيا والاستثمار والتمويل، حتى وإن جاء ذلك على حساب بناء عمق اقتصادي مغاربي. هنا يظهر بعد المفارقة في هذا المشهد: دول الجوار تُقصى، بينما يُفتح المجال لقوى بعيدة جغرافيا لكنها مفيدة استراتيجيا في توازنات الجزائر الدولية”.

أما بالنسبة للمغرب، سجل المتحدث ذاته أن “حساباته الاستراتيجية لا تقتضي بالضرورة الدخول في نزاع مباشر حول الملكية أو السيادة، بقدر ما تقتضي إدارة الملف بمنطق النفوذ الهادئ طويل النفس. أي عبر تثبيت السردية التاريخية المرتبطة باتفاقية إفران 1972، مع الدفع تدريجيا نحو فكرة أن الاستغلال الأمثل للموارد الاستراتيجية في شمال إفريقيا لا يمكن أن يتم بمنطق الدولة المنفردة؛ بل بمنطق التكامل الوظيفي الإقليمي. فالمغرب يدرك أن الشرعية الجيوسياسية الحديثة تُبنى أقل عبر الخطابات القانونية وأكثر عبر خلق الوقائع الاقتصادية المستدامة”.

وخلص معتضد إلى أن “السؤال الاستراتيجي الحقيقي ليس: لمن ينتمي غار جبيلات؟ بل، من يملك القدرة على تحويله إلى مركز قوة إقليمي؟ وحتى الآن، يبدو أن المنطقة ككل خسرت أكثر مما ربحت، لأن منجما بهذا الحجم كان يمكن أن يصبح أساسا لسيادة صناعية مغاربية، لا مجرد ملف إضافي في أرشيف التنافس المغربي الجزائري”.

انتهاك وحجج

قال البراق شادي عبد السلام، خبير دولي في إدارة الأزمات وتحليل الصراع وتدبير المخاطر، إن “الحقوق المغربية في منجم غار جبيلات ترتكز على قواعد قانونية دولية صلبة تتجاوز البعد الثنائي لاتفاقية إفران عام 1972، لتصل إلى مبادئ القانون الدولي العام التي تنظم استغلال الموارد الطبيعية والالتزام بالمعاهدات”، مبرزا أن “إقدام الجزائر على استغلال المنجم بصفة أحادية يعد انتهاكا لمبدأ ‘العقد شريعة المتعاقدين’ المنصوص عليه في المادة الـ26 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969، والتي تلزم الأطراف بتنفيذ المعاهدات بحسن نية”.

وتابع البراق شادي عبد السلام، في تصريح لهسبريس، أن “خرق الجزائر للبنود الاقتصادية الملحقة باتفاقية الحدود لعام 1972 يمثل إخلالا دوليا يمنح المغرب الحق في المطالبة بالتعويض أو تفعيل مساطر التحكيم الدولي، خاصة أن الممارسة الدولية في قضايا الموارد المشتركة تؤكد أن الدول ملزمة بالتعاون في إدارة الثروات العابرة للحدود بموجب ميثاق الأمم المتحدة وقرارات الجمعية العامة المتعلقة بالسيادة الدائمة للشعوب على مواردها الطبيعية”.

وسجل الخبير الدولي في إدارة الأزمات وتحليل الصراع وتدبير المخاطر أن “تورط الشركات الأجنبية في استغلال المورد الطبيعي المتنازع عليه يعد خرقا لمبادئ القانون الدولي المتعلقة بالاستثمار المسؤول والمسؤولية الاجتماعية للشركات، حيث تستند الممارسة المغربية في هذا الملف إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 1803 بشأن السيادة الدائمة على الموارد الطبيعية، والذي يحظر أي استغلال يمس بحقوق الدول الأخرى. كما أن القواعد الآمرة في القانون الدولي تلزم الشركات العابرة للحدود باحترام التزامات الدول المضيفة تجاه جيرانها.

وبذلك، تصبح العقود المبرمة مع الجزائر عرضة للإبطال أمام هيئات التحكيم الدولية إذا ثبت أن هذه العقود تهدف إلى الإضرار بحقوق طرف ثالث بموجب معاهدة حدودية سارية”.

وشدد المتحدث ذاته على أن “الموقف المغربي يتعزز بالاستناد إلى قرارات محكمة العدل الدولية التي أرست في قضايا جوهرية مثل قضية ‘الجرف القاري لبحر الشمال’ ضرورة مراعاة مبدأ التناسب والعدالة في توزيع واستغلال الموارد المشتركة، إذ تؤكد المحكمة أن الدول ملزمة بالدخول في مفاوضات بنية حسنة للتوصل إلى اتفاقيات تقاسم عادلة”، مبرزا أن “هذا المبدأ يسقط بوضوح على حالة غار جبيلات، حيث إن الجزائر بامتناعها عن التشاور تضرب بعرض الحائط التزاماتها بموجب المادة الـ33 من ميثاق الأمم المتحدة التي تحث الأطراف على فض النزاعات عبر التفاوض والتحقيق والوساطة”.

وبيّن البراق شادي عبد السلام أن “المغرب يمتلك حججا قانونية قوية انطلاقا من مبدأ ‘الأمن القانوني للمعاهدات’، حيث إن أي نشاط استخراجي أحادي يعد عملا غير مشروع دوليا يرتب المسؤولية القانونية على الدولة المعتدية وفقا لمواد مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دوليا التي اعتمدتها لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة”، مؤكدا أن “الرباط يمكن أيضا أن تستند استراتيجيتها القانونية إلى هذه الاجتهادات الدولية؛ وبالتالي المطالبة بوضع آلية دولية للرقابة على استغلال المنجم، بما يضمن عدم إهدار الثروة الوطنية ويحفظ حقها التاريخي والقانوني في التشارك، وهو مسار يضع الجزائر في موقف قانوني هش أمام المؤسسات القضائية الدولية”.

The post بين الثروة والاختلاف السياسي .. "غار جبيلات" يسائل الاندماج المغاربي appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress