بين الواقعية المالية واستعادة الثقة: ماذا تعني تعديلات مصرف لبنان على خطة إعادة الودائع؟

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

د. علي حمود

 

 

تدخل المفاوضات الجارية بين لبنان وصندوق النقد الدولي بشأن إعادة هيكلة القطاع المالي مرحلة مفصلية، مع اقتراح مصرف لبنان تعديلات جوهرية على مشروع إعادة الودائع وإصلاح القطاع المصرفي. وتأتي هذه التعديلات في ظل فجوة مالية هائلة، وتراجع قدرة الدولة والمصرف المركزي على تحمل التزامات كبيرة على المدى القصير، ما يطرح سؤالاً أساسياً: هل تشكّل هذه المقترحات خطوة نحو حلّ واقعي، أم أنها تؤجل الأزمة على حساب المودعين والاقتصاد؟

أبرز التعديلات تمثلت في خفض الدفعة المضمونة للمودعين من 100 ألف دولار إلى 60 ألف دولار في المرحلة الأولى، مع تمديد فترات السداد لتصل إلى ما بين 20 و30 عاماً بدلاً من 10 إلى 20 عاماً، إضافة إلى توسيع نطاق تطبيق آلية Bail-in، أي تحويل جزء من الودائع الكبيرة إلى أسهم أو أدوات رأسمالية في المصارف بهدف إعادة رسملتها.

من الناحية المالية، يسعى مصرف لبنان إلى مواءمة الخطة مع الإمكانيات الفعلية للدولة والمصارف، إذ إن دفع مبالغ كبيرة خلال فترة قصيرة قد يضغط على الاحتياطيات المتبقية ويهدد الاستقرار النقدي. ومن هذا المنظور، تبدو التعديلات محاولة لتخفيف الالتزامات الفورية وتوزيع التكلفة على فترة زمنية أطول، بما يحدّ من المخاطر على المالية العامة وسعر الصرف.

لكن الوجه الآخر لهذه المعادلة يتمثل في تأثيرها المباشر على المودعين. فخفض الدفعة المضمونة يعني أن شريحة أوسع من أصحاب الودائع ستنتظر سنوات إضافية لاسترداد أموالها، فيما يؤدي تمديد آجال السداد إلى تراجع القيمة الاقتصادية الفعلية للودائع بسبب التضخم وفقدان القيمة الزمنية للنقود. أما تحويل جزء من الودائع إلى أسهم في المصارف، فيجعل استعادة الأموال مرتبطة بأداء هذه المصارف مستقبلاً، وهو ما ينقل جزءاً من مخاطر القطاع المصرفي إلى المودعين أنفسهم.

أما على مستوى الثقة، وهي الركيزة الأساسية لأي نظام مصرفي، فإن التحدّي يبدو أكثر تعقيداً. فإطالة أمد استرداد الودائع وتوسيع آلية Bail-in قد يدفعان الأفراد والشركات إلى الإبقاء على أموالهم خارج القطاع المصرفي حتى بعد تنفيذ الإصلاحات، ما يحدّ من قدرة المصارف على استعادة دورها في تمويل الاقتصاد.

يُتوقع أن ينعكس ذلك أيضاً على الاستثمار. فالشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تعتمد على التمويل المصرفي ورأس المال العامل، ستكون من أكثر المتضررين نتيجة استمرار شحّ الائتمان وضعف السيولة، كما قد يتردد المستثمرون المحليون والأجانب في ضخ استثمارات جديدة في بيئة مالية لم تستعد ثقة الأسواق بالكامل، ما يبطئ النمو الاقتصادي ويؤخّر خلق فرص العمل.

وبالنسبة إلى المواطن، فإن استمرار تجميد جزء كبير من الودائع يعني بقاء الاستهلاك عند مستويات منخفضة، وتأجيل قرارات شراء المساكن أو إطلاق المشاريع أو توسيع الأعمال، وهو ما ينعكس على النشاط التجاري والإنتاجي في مختلف القطاعات.

أما صندوق النقد الدولي، فمن المرجح أن ينظر إلى هذه التعديلات من زاويتين متوازيتين: الأولى هي مدى واقعية الخطة وقدرتها على التنفيذ، والثانية هي عدالة توزيع الخسائر بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف والمودعين مع حماية صغار المودعين. في المحصلة، فإن نجاح أيّ خطة سيقاس بقدرتها على إعادة بناء الثقة وتحريك الاستثمار وإعادة المصارف إلى دورها الطبيعي في تمويل الاقتصاد، لأن أيّ إصلاح ماليّ لا يستعيد الثقة سيبقى إصلاحاً ناقصاً ويؤخر التعافي الاقتصادي.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية