بين طلب عون والفيتو الإسرائيلي... "اليونيفيل" تدخل مرحلة العد العكسي
لم يعد النقاش في الكواليس الدولية يقتصر على ما إذا كانت قوة الأمم المتحدة العاملة في جنوب لبنان ستحصل على تمديد جديد، بل بات يدور حول سؤال أكثر عمقاً: أيّ وجود دولي سيحكم جنوب لبنان في السنوات المقبلة؟ فبينما يتمسك لبنان بتمديد ولاية القوة الدولية ثلاث سنوات، تتحدث أوساط سياسية عن نقاشات غربية تتجاوز التجديد التقليدي إلى البحث في مرحلة "ما بعد اليونيفيل"، في ظل تراجع الحماسة الأميركية والإسرائيلية لاستمرار المهمة بصيغتها الحالية، ومحاولة فرنسية للحفاظ على آخر ركائز الحضور الأوروبي في الجنوب.
هذا المشهد برز بوضوح بعد اللقاء الذي جمع رئيس الجمهورية جوزف عون بالرئيس الأميركي دونالد ترامب في واشنطن، حيث اقترح عون تمديد ولاية "اليونيفيل" ثلاث سنوات، في خطوة لم تُقرأ على أنها مطلب إداري، بل رسالة سياسية تعكس رغبة الدولة اللبنانية في تثبيت مظلة دولية مستقرة ترافق تنفيذ القرار 1701، وتمنح الجيش اللبناني الوقت الكافي لاستكمال انتشاره وتعزيز حضوره جنوب الليطاني.
ولكن بعد الزيارة، لا يزال قرار التجديد غائباً، رغم اقتراب انتهاء الولاية الحالية، ما يعكس حجم التباين في مجلس الأمن وبين الدول المعنية بمستقبل الجنوب اللبناني.
وبحسب المصادر، فإن التعقيد لا يرتبط بمسألة التمديد بذاتها، بل بالخلاف على طبيعة المهمة المقبلة. فإسرائيل لا تخفي منذ سنوات انتقاداتها لأداء "اليونيفيل"، معتبرة أنها لم تمنع تعاظم القدرات العسكرية لـ"حزب الله" جنوب الليطاني، وأنها لم تحقق التطبيق الكامل للقرار 1701. وبعد الحرب الأخيرة، تعزز هذا الموقف، وباتت تل أبيب تدفع في اتجاه انهاء مهمتها.
وبحسب المعلومات، لا تبدو واشنطن بعيدة عن هذه المقاربة، مع ميل واضح إلى إعادة تقييم دورها وربطه بالترتيبات الأمنية الجديدة، بحيث يصبح الجيش اللبناني القوة الشرعية المحورية جنوب الليطاني، مع البحث في آليات دولية أكثر فاعلية لمواكبة تنفيذ الالتزامات الأمنية.
فرنسا تتمسك... وأوروبا تبحث عن البدائل
في المقابل، تبدو فرنسا الأكثر تمسكاً بإبقاء القوة الدولية، ليس فقط انطلاقاً من مسؤوليتها التاريخية داخل "اليونيفيل"، بل أيضاً لأن أي تراجع للدور الأممي سيعني تقلص الحضور الفرنسي والأوروبي في أحد أكثر الملفات حساسية في لبنان. لذلك تتحرك باريس لإيجاد صيغة تضمن استمرار الوجود الدولي، ولو عبر مرحلة انتقالية تسمح بإعادة تقييم المهمة لاحقاً.
غير أن هذا المسار لا يحظى بحماسة كاملة في بيروت. فالموقف اللبناني يقوم على أن أيّ تمديد قصير أو انتقالي قد يتحول إلى مقدمة لإنهاء المهمة تدريجاً، وهو ما يفسر تمسك رئيس الجمهورية بتمديد طويل نسبياً يوفر استقراراً سياسياً وأمنياً، ويمنع إبقاء مستقبل الجنوب رهينة مفاوضات سنوية داخل مجلس الأمن.
وفي موازاة النقاش حول التجديد، برزت خلال الأشهر الأخيرة تسريبات ووثائق أوروبية فتحت الباب أمام مرحلة جديدة من التفكير. فقد تحدثت وثيقة أعدها جهاز العمل الخارجي في الاتحاد الأوروبي عن بعثة أوروبية تمتد ثلاث سنوات لدعم الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية، فيما ذهب الطرح الألماني أبعد عبر الدعوة إلى البحث في قوة أوروبية يمكن أن تتولى المهمة مستقبلاً إذا انتهت ولاية "اليونيفيل".
ومع أن هذه الأفكار لا تزال في إطار النقاش ولم تتحول إلى قرار أوروبي، فإنها تعكس بوضوح أن جزءاً من العواصم الغربية بدأ يبحث في مرحلة ما بعد القوة الدولية الحالية.
لماذا لا يتجاوب لبنان مع الطروحات الأوروبية؟
في المقابل، لم يصدر عن لبنان أي موقف رسمي تجاه هذه الطروحات، إذ لا تزال الأولوية بالنسبة إلى الدولة اللبنانية الحصول على تمديد واضح لـ"اليونيفيل"، بدلاً من الخوض في نقاش حول البدائل. وترى مصادر متابعة أن أي تجاوب لبناني مع أفكار تتعلق بقوة بديلة قد يُفهم على أنه تسليم بانتهاء المهمة الحالية، وهو ما لا ترغب فيه الحكومة في هذه المرحلة.
وتشير المصادر إلى أن النقاش الحقيقي لا يتنال بقاء "اليونيفيل" أو رحيلها، بل الجهة التي ستملأ أيّ فراغ إذا تغيرت طبيعة المهمة. فالولايات المتحدة تركز على تعزيز دور الجيش اللبناني بوصفه القوة الوحيدة المنتشرة جنوب الليطاني، فيما تطالب إسرائيل بضمانات وآليات رقابة أكثر فاعلية تمنع إعادة بناء البنية العسكرية لـ"حزب الله". أما فرنسا، فتسعى إلى منع خسارة آخر أدوات الحضور الأوروبي المباشر في لبنان، وترى أن أيّ انتقال سريع إلى نموذج جديد سيضعف الدور الأوروبي في الملف اللبناني لمصلحة تفاهمات تقودها واشنطن.
ولا تستبعد الأوساط نفسها أن يكون تأخر حسم ملف التجديد مرتبطاً باستمرار المشاورات حول هذه السيناريوات، أكثر مما هو مرتبط بمدة الولاية نفسها. فالمطلوب بالنسبة إلى بعض العواصم ليس مجرد تمديد لعام أو ثلاثة أعوام، بل تحديد شكل النظام الأمني الذي سيرافق الجنوب في المرحلة المقبلة، ودور الأمم المتحدة فيه، وحدود مسؤولية الجيش اللبناني، والعلاقة بين كل ذلك واستكمال تنفيذ القرار 1701.
لذا تبدو معركة "اليونيفيل" هذا العام مختلفة عن كل محطات التجديد السابقة. فهي لم تعد معركة حول نص قرار يصدر عن مجلس الأمن، بل تحولت إلى مواجهة سياسية وديبلوماسية حول مستقبل الجنوب اللبناني نفسه.