بين كأس العالم السوبر بول... ماذا يقول نهائي المونديال عن ثقافة العصر؟
هناك لحظة خلال نهائي كأس العالم 2026 توقفت فيها كرة القدم نفسها، ولو موقتاً، عن أن تكون مركز اهتمام العالم. على مدى ما يقارب قرناً من الزمن، كان الشوط الفاصل في نهائي المونديال يعني الغياب. كان اللاعبون يختفون داخل النفق المؤدي إلى غرف الملابس، ويحلل المعلقون والخبراء الخطط التكتيكية، بينما يلتقط المشجعون أنفاسهم. خمس عشرة دقيقة هادئة كانت تفصل بين فصلين من فصول المباراة.
ثم جاء ما لم يسبق له مثيل. أضواء. موسيقى. نجوم عالميون. عرض أشرف على تنسيقه كريس مارتن، قائد فرقة "كولدبلاي". مادونا، وشاكيرا، وBTS، وجاستن بيبر، وبورنا بوي، وغوستافو دوداميل، وجوقات من الأطفال، وإنتاج عالمي صُمم من أجل الترفيه ولجمع التبرعات من خلال شراكة "فيفا" مع "غلوبال سيتيزن". لقد كان أول عرض رسمي بين شوطي المباراة في تاريخ نهائي كأس العالم، وصيغ كحدث ثقافي يكاد يوازي المباراة نفسها في الأهمية.

وكما كان متوقعاً، سارع مشجعو كرة القدم إلى التساؤل عمّا إذا كان هذا مجرد استيراد أميركي لا ضرورة له. لكن السؤال الأكثر إثارة للاهتمام هو ما إذا كان الأمر يشير إلى شيء أكبر بكثير. فلعل كأس العالم لم يكتفِ باستعارة عرض ما بين الشوطين من السوبر بول، ولعلّه تجاوز عتبة غير مرئية، ولعلّ أعظم حدث رياضي في العالم أصبح طقساً ترفيهياً عالمياً.
عندما كانت كرة القدم ترفض الاستعراض
لطالما امتلك نهائي كأس العالم عناصر الدراما، لكنه كان، تقليدياً، ينظر بعين الريبة إلى المسرحية والاستعراض. كانت طقوسه معروفة: يخرج المنتخبان من النفق، وتحوّل الأناشيد الوطنية اللاعبين من أفراد إلى ممثلين لأممهم، ثم تنطلق صافرة البداية، وكلّ ما عدا ذلك كان ثانوياً.

صحيح أن هناك حفلات افتتاح، وأحياناً عروضاً موسيقية قبل انطلاق المباراة، لكنها كانت دائماً على الهامش. فما إن تبدأ المباراة حتى تصبح فلسفة "فيفا" واضحة: كرة القدم هي البطلة. وكان هذا التحفظ أحد أبرز ما يميز كرة القدم عن كثير من التقاليد الرياضية الأميركية. وقد استمدت كرة القدم سلطتها من فكرة أنها تنتمي إلى الجميع على حدٍّ سواء. وبذلك، لم يكن الترفيه محرّماً، لكنه كان يعرف مكانه.
كيف تحرر السوبر بول من كرة القدم
في المقابل، سلك دوري كرة القدم الأميركية (NFL) مساراً يكاد يكون معاكساً. فالسوبر بول لم يولد كأكبر عرض ترفيهي في العالم، بل كان في بداياته مباراة نهائية ترافقها عروض بسيطة لفرق موسيقية جامعية. لكن كلّ شيء تبدّل في يناير/كانون الثاني 1993، عندما اعتلى مايكل جاكسون المسرح وحوّل استراحة ما بين الشوطين إلى حدث بدا، للمرة الأولى، أكبر من المباراة نفسها، مغيراً بذلك اقتصاديات التلفزيون الأميركي ونظرة الجمهور إلى تلك الدقائق الفاصلة. ومنذ ذلك الحين، أصبحت استراحة ما بين الشوطين موعداً عالمياً قائماً بذاته، يترقبه ملايين المشاهدين بالقدر نفسه الذي يترقبون المباراة.

وتوالت بعد ذلك العروض التي صنعت لحظات لا تُنسى في الذاكرة الثقافية المعاصرة: حوّل برينس العاصفة الممطرة إلى واحدة من أكثر صور الموسيقى الحية خلوداً، وقدّمت بيونسيه عرضاً حمل أبعاداً سياسية وثقافية تحت غطاء حفل بوب، وقفزت ليدي غاغا من سقف الملعب، وأعلنت ريهانا حملها أمام العالم، فيما استخدم كندريك لامار تاريخ الهيب هوب لقراءة الواقع الأميركي، قبل أن يحتفي آشر بإرث أربعة عقود من الموسيقى الشعبية الأميركية السوداء.
ومع كلّ عرض، كان السوبر بول يتجاوز حدوده الرياضية ليغدو حدثاً ثقافياً عالمياً، يتابعه ملايين الأشخاص الذين قد لا يعرفون قواعد كرة القدم الأميركية، لكنه يجذبهم، لكونه أحد أكبر مسارح الثقافة الشعبية في العالم. ولم تفقد المباراة أهميتها، لكنها لم تعد تحتكر الأضواء كما كانت في السابق.
تقارب الطقوس الثقافية
تزداد أكبر الأحداث العالمية تشابهاً مع مرور الوقت، حتى باتت تستعير من بعضها بعضاً اللغة نفسها وآليات الجذب ذاتها. فالألعاب الأولمبية تُفتتح باحتفالات ذات طابع سينمائي، بينما أعادت الفورمولا 1 ابتكار صورتها عالمياً عبر مسلسل Drive to Survive على "نتفليكس"، الذي حوّل السائقين والمهندسين ومديري الفرق إلى شخصيات يتابع الجمهور قصصها أسبوعاً بعد آخر.

في المقابل، بات أسبوع مباراة نجوم الـNBA يؤدي وظيفة مهرجان ترفيهي وموسيقي تُقام على هامشه مباريات كرة السلة، فيما تقدم "راسلمينيا" نفسها منذ سنوات "ترفيهاً رياضياً"، من دون أي محاولة للفصل بين المجالين. أما مسابقة "مسابقة الأغنية الأوروبية" (يوروفيجن)، فقد تحولت مساحة تتقاطع فيها موسيقى البوب مع السياسة والهوية والجغرافيا، في حين باتت حفلات توزيع الجوائز تُبنى، أكثر فأكثر، حول اللحظات القابلة للانتشار عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لا حول الجوائز نفسها.
وسط هذا المشهد، تتلاشى الحدود التقليدية بين الرياضة والترفيه والسياسة وثقافة المشاهير والثقافة الرقمية، ويغدو عرض ما بين شوطي نهائي كأس العالم أقل استثناءً مما يبدو للوهلة الأولى، وأكثر اعترافاً بتحول كان يحدث بالفعل في الثقافة العالمية. فالسؤال لم يعد ما إذا كانت الرياضة جزءاً من الثقافة الشعبية، بل كيف أصبحت واحدة من أهم القوى التي تعيد تشكيلها وتحدد إيقاعها.
اقتصاد الفرجة
لا يقتصر هذا التحول على الجانب الجمالي، وإنما يعكس أيضاً منطقاً اقتصادياً جديداً يحكم صناعة الرياضة العالمية. فالأحداث الكبرى لم تعد تُقاس بنتائجها داخل الملعب فقط، وإنما بحجم حقوق البث، واشتراكات منصات البث التدفقي، واتفاقيات الرعاية، وحملات الترويج السياحي، وقيمة العلامات التجارية، ومدى انتشارها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وفي هذه المنظومة، أصبح الانتباه نفسه سلعةً قابلة للاستثمار؛ فكلّ مقطع ينتشر على نطاق واسع يطيل العمر التجاري للحدث، وكلّ ظهور لمشاهير يفتح الباب أمام جمهور جديد، وكلّ وسم يتصدر المنصات يضيف قيمة اقتصادية قابلة للقياس.

تستقطب الموسيقى من لم يكن معنيّاً بكرة القدم، كما تدفع عشاق اللعبة إلى الانخراط في نقاشات ثقافية أوسع، بينما تحصد العلامات التجارية والرعاة ومنصات البث والمدن المضيفة مكاسب إعلامية وتسويقية إضافية. وهكذا يغدو عرض ما بين الشوطين أقل شبهاً بحفل موسيقي، وأكثر شبهاً باستراتيجية اقتصادية ترتدي ثوب الثقافة.
لدى المنتقدين ما يبرر قلقهم
مع ذلك، لا يمكن اختزال الاعتراضات في مجرد حنين إلى الماضي. فكثير من مؤرخي كرة القدم يرون أنّ السحر العاطفي لهذه اللعبة يكمن في بساطتها، فهي لا تحتاج إلى أكثر من كرة، وهدفين، وتسعين دقيقة كي تمنح جمهورها تجربة كاملة. ومن هذا المنظور، قد يبدو العرض الضخم بين الشوطين وكأنه يوحي بأن المباراة وحدها لم تعد كافية لجذب الانتباه.

ويجد هذا القلق صداه في عدد من أهم الكتابات النقدية عن الثقافة الحديثة. فقد رأى غي ديبور في كتاب "مجتمع الاستعراض" أنّ الحياة الاجتماعية تتحول تدريجياً إلى صور معدّة للاستهلاك بدلاً من التجربة المباشرة، بينما حذر نيل بوستمان في "التسلية حتى الموت" من تمدد منطق الترفيه إلى مختلف المؤسسات العامة حتى يصبح الحفاظ على الجدية أمراً بالغ الصعوبة. أما دانيال بورستين، فقد صاغ مفهوم "الحدث الزائف" لوصف مناسبات تُصمّم أساساً لأنها ستُنقل إعلامياً وتُصوَّر وتُشارك، لا لأنها نشأت بصورة طبيعية.
ولا يحتاج المرء إلى تبنّي هذه النظريات بالكامل حتى يلاحظ أن كثيراً من الأحداث العالمية بات يستخدم اللغة البصرية نفسها: ظهور المشاهير، والألعاب النارية، والطائرات المسيّرة، واللحظات المصممة للانتشار عبر الإنترنت. والخشية هنا ليست أن تصبح كرة القدم أميركية، بل أن تفقد الأحداث الكبرى خصوصيتها، وأن يبدأ كلّ شيء يشبه كلّ شيء آخر.
ما بعد كرة القدم
هل أصبح كأس العالم هو السوبر بول؟ ليس تماماً، لكن السؤال يكشف تحولاً أوسع. فنهائي كأس العالم يتجه إلى أن يصبح نموذجاً لما يمكن تسميته "الحدث الكوني" في القرن الحادي والعشرين؛ مناسبة تتداخل فيها الرياضة مع الموسيقى، والإنتاج التلفزيوني، والديبلوماسية، والإعلان، والسياحة، والعمل الخيري، والمحتوى الذي تصنعه الخوارزميات، والحوار العالمي على وسائل التواصل الاجتماعي. إنها أحداث تعيش في الملاعب بقدر ما تعيش على الشاشات والهواتف الذكية.

لم يتوقف كأس العالم عن أن يكون بطولة لكرة القدم، لكن اللعبة نفسها أصبحت تتحرك داخل منظومة أوسع من الفرجة تتجاوز حدود الرياضة. وربما لا تكمن أهمية أول عرض بين شوطي النهائي في دقائق الاستراحة نفسها، بل في أنه كشف شيئاً عن طبيعة عصرنا. فالعالم لم يعد يجتمع حول عدد كبير من اللحظات المشتركة، لكن اللحظات التي تبقى أصبحت تحمل في داخلها الرياضة والموسيقى والسياسة والتجارة والعمل الخيري وثقافة المشاهير والثقافة الرقمية في آن واحد.
ولذلك، قد لا يكون السؤال الحقيقي ما إذا كان كأس العالم أصبح شبيهاً بالسوبر بول، بل ما إذا كانت جميع الطقوس العامة الكبرى تتجه نحو نموذج واحد، تتحول فيه إلى مسرح عالمي تلتقي داخله مختلف أشكال التعبير الثقافي. وإذا صح ذلك، فإن أكثر ما يميز هذه الأحداث لن يكون ما يجري داخل الملعب وحده، بل ما أصبح العالم ينتظر أن يحدث حوله أيضاً.