تأملات

في الذكاء الاصطناعي والإبداع البشري

بعد أكثر من ثلاثين عاما في مجال النشر، أرى أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تحول تكنولوجي، بل نقطة انعطاف في الإبداع ذاته. في ورقتي المعنونة تأملات حول الذكاء الاصطناعي والإبداع الإنساني، أؤكد أنه رغم قدرة الذكاء الاصطناعي على معالجة المحتوى وتوليده بكفاءة مذهلة، فإنه يظل مقيدا بالمنطق. أما ما لا يستطيع تعويضه فهو الحدس الإنساني – تلك القدرة على خلق المعنى ومنح النص روحا. إن التحدي الذي يواجهنا اليوم لا يكمن في ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيستبدلنا، بل في كيفية استخدامه دون أن نفقد ما يجعل النشر في عمقه فعلا إنسانيا.

أولا: التطور هو القَدَر.. الذّكاء الاصطناعي قد حلّ بيننا

في أبريل من عام 1994، لمستُ جهاز كمبيوتر لأول مرة. كان يحمل شعار التفاحة المقضومة بألوان قوس قزح. كنت حينها شابا، طالبا جامعيا، وحالما كبيرا يتطلع إلى مستقبل مُشرق. بالنسبة لي، كانت تلك الآلة معجزة؛ شاشة نابضة بالحياة، والقدرة على الكتابة من اليمين إلى اليسار ومن اليسار إلى اليمين في آن واحد، والأكثر إثارة للدهشة: القدرة على حذف فقرة واستبدالها في لمح البصر.

في ذلك الوقت، كانت المكتبات المجاورة للكلية تضج بقرقعة الآلات الكاتبة الميكانيكية. كان لديهم دائما آلتان: واحدة للغة العربية وأخرى للفرنسية أو الإنجليزية أو الإسبانية، حيث كان يتعين إضافة الرموز والنبرات الخاصة يدويا بعد الانتهاء من النص.

لقد غيّر «الماك» كل شيء. منحنا رفاهية «الخطأ». ولأول مرة، صار لنا الحق في الإخفاق ثم الإصلاح دون تكلفة. ومن خلال مسيرتي المهنية في النشر التي امتدت لثلاثين عاما، أدركت أن الجزء الأصعب بالنسبة لأي كاتب ليس المُسوَّدة الأولى، بل تلك العملية المضنية من المراجعة وإعادة صياغة النص الأولي.

أتذكر ازدواجية تلك الأيام الأولى مع نظام تشغيل «ماك». عندما كنت أشغل الكمبيوتر وأرى أيقونة «Finder» الضاحكة، كنت أشعر بالسعادة. ولكن، إذا كان صباح يوم اثنين وكان عليّ تسليم ورقة بحثية لعميل في تمام الساعة الواحدة ظهرا وتوقف النظام عن العمل؟ كنت أصاب بالاكتئاب. أصبُّ لجام غضبي على «التكنولوجيا»، ويمر يومي سيئا، فألوذ بحنين عميق إلى الورق و«الزمن الجميل».

في نهاية المطاف، تركت تلك الأيام وراء ظهري. بدأت أثق في التكنولوجيا، وفي المقابل، أصبحت حياتي أسهل. بدأت ألتزم بمواعيد التسليم، واختفت «الأيام السيئة» وتوقف الالتفات إلى الوراء؛ لقد وقعت في حب التطور.

في الأسبوع الماضي فقط، قرأت أن «تيم كوك» يستعد لمرحلة انتقالية، حيث من المرجح أن يتولى رئيس أجهزة «آيباد» المسؤولية، بينما تعمل «أپل» على سد الفجوة في الجبهة الكبرى القادمة: الذكاء الاصطناعي. ذكرني ذلك بشيء قاله المدير التنفيذي لشركة «مرسيدس» ذات مرة في فيلم وثائقي: «ما قيمة أن يكون لديك أفضل محرك دييزل في العالم، لكن لا يشتريه أحد».

هذه هي حقيقة التقدم؛ فالتطور لا يستأذن أحدا، ولا يترك مجالا للهروب. نحن الآن في عصر الذكاء الاصطناعي بكل ثبات، ولم يعد السؤال: هل يجب أن نتعامل معه؟ بل: كيف؟

ثانيا: الرفّ الخفي.. المنطق مقابل الحدس

في قصة إدغار آلان بو «الرسالة المسروقة»، تفتش الشرطة كل شبر في منزل المشتبه به بدقة علمية. يستخدمون الإبر لسبر أغوار الوسائد والمجاهر لفحص الأسطح، ومع ذلك لا يجدون شيئا. إنهم يبحثون عن الرسالة حيث يملي عليهم المنطق أنها يجب أن تكون. وحده المحقق «دوبين» من يجدها؛ ليس لأنه كان أكثر «آلية» من الشرطة، بل لأنه كان أكثر إنسانية. لقد وجدها موضوعة بوضوح أمام الأعين، متخفية في صورة ورقة مهملة، لأنه فَهِم عقلية السارق.

هذا هو المفترق الذي نجد أنفسنا فيه مع الذكاء الاصطناعي.

بصفتي ناشرا ومحاولة أن أكون كاتبا، أرى الذكاء الاصطناعي بمثابة «الشرطة» في قصة «بو». فهو يتمتع بكفاءة مذهلة في البحث في الأرشيفات الهائلة للمعرفة البشرية. يمكنه تحليل كل مسودة، وكل كلمة، وكل نمط بسرعة لا يمكن لأي بشر مضاهاتها. لكنه، تماما مثل الشرطة، غالبا ما يفتقد «الرسالة» لأنه لا يعرف سوى البحث في الأماكن التي تمت برمجته للبحث فيها؛ إنه يتبع قواعد المحرك.

أما الإبداع البشري، فهو «عامل دوبين». إنه القدرة على وضع الفكرة الأكثر قيمة أمام أعين الجميع بطريقة لم يتوقعوها. إنه «الحق في ارتكاب الأخطاء» الذي اكتشفتُه في أول جهاز «ماك» عام 1994، وقد تحول إلى شكل من أشكال الفن.

إذا كان الجزء الأول يدور حول قَدَر التكنولوجيا، فإن الجزء الثاني يدور حول التميُّز. نحن نعيش في عالم أصبح فيه «منطق» الآلة في كل مكان. لكن الحقائق الأكثر عمقا -تلك التي تهز روح القارئ- تشبه في الغالب تلك الرسالة المسروقة: لا توجد في البيانات، بل في الطرق الخفية والحدسية التي نختارها لإخفائها أو الكشف عنها.

يمكن للآلة أن تفتش الوسائد، ولكن الإنسان وحده هو من يعرف أين يكمن قلب القصة.

ثالثا: «ذهب الراين» الحديث.. فاغنر والخاتم الرقمي

إذا كان جهاز «الماك» الأول معجزة، وقصة «الرسالة المسروقة» درسا في الحدس، فإن صعود الذكاء الاصطناعي هو «غسق الآلهة» (Götterdämmerung) الخاص بنا.

ولإيجاد موازٍ لثورة بهذا الحجم، ألتفتُ إلى ريتشارد فاغنر وملحمته «خاتم النيبلنغ». كان فاغنر روح عصر حددته الاضطرابات الصناعية والاجتماعية الهائلة، وهو زمن يشبه زماننا إلى حد كبير، حيث كانت اليقينيات القديمة تنهار لتفسح المجال لعالم جديد قوي بشكل مرعب.

في دورة فاغنر الأوبرالية، يمثل «ذهب الراين» مصدرا لقوة لا حدود لها. فمن يصيغ منه خاتما يمكنه أن يحكم العالم، ولكن بتكلفة باهظة: يجب عليه أن يتخلى عن الحب – وهو جوهر ما يجعلنا بشرا.

اليوم، الذكاء الاصطناعي هو «ذهب الراين» الخاص بنا. إنه أداة ذات نطاق هائل لدرجة أنه يبدو وكأنه قوة من قوى الطبيعة أكثر من كونه مجرد برمجيات. إنه يمنحنا القدرة على أتمتة الفكر، وتجاوز «صراع» المسوَّدة، والتحكم في الأرشيفات الشاسعة للتاريخ البشري بأمر واحد بسيط. لكن تحذير فاغنر يتردد عبر القرون: القوة العظمى بلا روح هي لعنة.

إن خطر عصر الذكاء الاصطناعي ليس في تمرد الآلات، بل في احتمال أن «نتخلى نحن عن حب» العملية الإبداعية. فخلال ثلاثين عاما في النشر، تعلمت أن جمال الكتاب لا يكمن فقط في المنتَج النهائي؛ بل في العَرَق البشري، والشك، واكتئاب صباحات الاثنين، والانتصار النهائي للروح. إذا تركنا الذكاء الاصطناعي يشعر نيابة عنا، فنحن مجرد مرتدين لخاتم يمنحنا القوة بينما يفرغ قلوبنا من الداخل.

كان فاغنر يعلم أنه حتى في عالم الآلهة والعمالقة، فإن العنصر البشري – البطل الذي يتحرك بدافع الإرادة الحرة والعاطفة – هو الذي يغير مسار القدر حقا. الذكاء الاصطناعي ثورة ضخمة، ربما هي الأكبر في التاريخ البشري، لكنه يظل «نوتة موسيقية» بلا أوركسترا حتى نمنحه نحن نَفَس الحياة.

نحن لسنا في نهاية القصة، بل في بداية جديدة. يجب أن نمسك بالخاتم دون أن نفقد إنسانيتنا. يجب أن نستخدم الآلة، ولكن دون أن ننسى الأغنية أبدا.

خاتمة

بينما نقف على عتبة عصر تحدده القفزات التكنولوجية المتسارعة، انتقل الحوار المحيط بالذكاء الاصطناعي مما يمكنه فعله إلى ما ينبغي له فعله. ولخوض غمار هذا المشهد المعقد، يجب أن نتطلع نحو الأطر العالمية الراسخة التي تعطي الأولوية لقيمنا الإنسانية المشتركة. ومن المراجع الأساسية في هذا الصدد «توصية اليونسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي»، التي اعتمدتها 193 دولة عضو بالإجماع في عام 2021. وتعد هذه الوثيقة التاريخية أول أداة عالمية لوضع المعايير، حيث ترتكز في تطوير الذكاء الاصطناعي على حماية حقوق الإنسان والكرامة والاستدامة. ومن خلال تأكيدها على الشفافية والمساءلة وسيادة القانون، فإنها توفر لنا خارطة طريق حيوية لضمان أنه كلما زاد ذكاء آلاتنا، ظلت مجتمعاتنا مسالمة وعادلة وشاملة. أستحضر ما قاله «خوسيه بورغينو» في أحد لقاءاته، بأنه من دون محتوى عالي الجودة، فإن الذكاء الاصطناعي لا قيمة له.

The post تأملات appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress