تحرير العقل قبل الواقع

“نحنُ لا نُمارِسُ النَّقدَ من أجلِ النَّقدِ ، بل من أجلِ التحرُّرِ ممّا هو ميِّتٌ أو مُتخَّشِّبٌ في كياننا العقلي ، وإرثنا الثقافي “. من كتاب : تكوين العقل العربي لمحمد عابد الجابري.

في كل مرة تحلّ ذكرى رحيل محمد عابد الجابري، لا يطرح عقلي السؤال المعتاد: ماذا كتب الرجل؟ بل سؤال أكثر إيلاماً: ماذا فعلنا نحن بما كتب؟ لأن المأساة الحقيقية للفكر في هذا البلد ليست في أننا لا ننتج، بل في أننا نقرأ كثيراً دون أن يتغير شيء. نقرأ ونُعجب ونُصفق، ثم نعود إلى ما كنا عليه.

الجابري لم يكن يريد منّا إعجاباً. لم يكتب لتُردَّد مقولاته في حفلات التأبين وأعمدة الذكريات. كان يضع إصبعه على شيء أعمق وأكثر إيجاعاً: عطب في طريقة تفكيرنا، في تلك المنطقة الداخلية الصامتة التي تُحرّك قراراتنا قبل أن نُدركها. حين يقول إن النقد ليس ترفاً بل ضرورة للتحرر مما هو ميت أو متخشب فينا، فهو لا يتحدث عن فلسفة تُمارَس في المقاهي بين المثقفين، بل عن شرط بقاء. لأن ما هو “ميت” فينا لا يبقى ساكناً، بل يتسرب إلى الحاضر ويُثقل كل محاولة للمضي قُدُماً.

في المغرب، تبدو هذه الفكرة قريبة من الواقع بشكل يُقلق. نحن نعيش مفارقة غريبة: حداثة ظاهرة وجمود عميق. نبني المؤسسات ونتحدث بلغة التنمية والإصلاح، لكن كثيراً من أمورنا يُدار بعقل يرتاح للموروث أكثر مما يرتاح للسؤال. النقد عندنا، في كثير من السياقات، مشبوه. يُعتبر قلة أدب، أو نكراناً للجميل، أو تهديداً للتماسك الاجتماعي. كأننا نريد إصلاح النتائج دون أن نقترب من الأفكار التي أنتجتها.

المدرسة مثال لا يحتاج إلى شرح. المفترض أن تكون أول مكان يتعلم فيه الإنسان كيف يُفكر، فإذا بها تُعلّمه كيف يحفظ. التلميذ يخرج منها قادراً على استرجاع الإجابات، عاجزاً عن طرح الأسئلة. يحفظ درساً عن “أهمية التفكير النقدي” دون أن يُمارسه مرة واحدة. وهكذا، يُعاد إنتاج “الميت” يومياً، في القسم، في الإدارة، في طريقة الحديث عن الأشياء.

وفي السياسة، نمارس شيئاً يُشبه النقد من بعيد. ننتقد الأشخاص بحماس، لكننا نتجنب مساءلة البنيات التي جعلت هؤلاء الأشخاص ممكنين. نغضب من المآلات ونتغاضى عن الأسباب. الغضب موجود، لكنه يتحول إلى بخار، لا إلى فعل. تنفيس، لا نقد. وهذا بالضبط ما كان الجابري يُحذر منه.

أما في حياتنا اليومية، فالأمر أكثر التصاقاً بنا. ثمة منظومة من المسلّمات التي لا تُناقش: في العائلة، في العلاقات، في تصوراتنا عن النجاح والفشل والسلطة. لا أحد يعرف متى دخلت هذه المسلّمات حياتنا، لكنها تُدير سلوكنا بهدوء. نمتثل لها أحياناً خوفاً، وأحياناً عادةً، ونادراً ما نقف ونسأل: هل هذا ما زال يخدمنا؟ لأن السؤال نفسه يُعتبر نوعاً من التمرد.

وهنا يعود كلام الجابري بكل ثقله. النقد الذي كان يدعو إليه ليس هدماً للتراث ولا قطيعة مع الماضي، بل هو عملية فرز: ماذا نُبقي وماذا نترك؟ ما الذي ما زال حياً ويستحق أن يبقى، وما الذي تحجّر وأصبح عبئاً؟ لكن هذا الفرز يحتاج إلى شجاعة من نوع خاص. لأنك حين تُشكك فيما تعوّدت عليه، لا تُغيّر فكرة فقط، بل تُغيّر جزءاً من نفسك. وهذا مؤلم.

المشكل أن هذا النوع من الناس، أعني من يجاهرون بالسؤال ويُقلقون البداهات، لا يُكافأون عندنا. يُتهمون بالتشاؤم أو بالتعالي أو بعدم الانتماء. فيتحول كثيرون إلى شاكّين في الداخل، ممتثلين في الخارج. ويستمر “الميت” في الدوران، لا لأنه راسخ، بل لأن مقاومته تكلّف أكثر مما يستطيع كثيرون تحمّله.

لهذا تبدو الحاجة إلى استعادة الجابري اليوم أشد مما كانت عليه حين كان حياً. لكن استعادته ليست بقراءة كتبه من جديد وإعادة اقتباس عباراته، بل بممارسة ما دعا إليه: أن نُدرّب أنفسنا على الشك في البداهات، أن نُعيد الاعتبار للسؤال، أن لا نكتفي بالأجوبة الجاهزة. لأن المجتمعات التي تتوقف عن السؤال لا تنهار فجأة، بل تُعيد إنتاج نفسها ببطء حتى تنسى أنها كانت تستطيع أن تكون غير ذلك.

والسؤال الذي يظل معلقاً في كل ذكرى: كم تخلصنا فعلاً مما هو “ميت” فينا؟ لأن أسوأ ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول الجابري نفسه إلى جزء من ذلك الميت، اسم نُردده في المناسبات، دون أن نسمح لأفكاره يوماً بأن تُقلقنا.

The post تحرير العقل قبل الواقع appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress