تحقيق استقصائي دولي يورد مزاعم بشأن استخدام المغرب برنامج “بيغاسوس” في عمليات مراقبة داخلية وخارجية

أورد تحقيق استقصائي دولي جديد مزاعم بشأن استخدام أجهزة الاستخبارات المغربية برنامج التجسس الإسرائيلي “بيغاسوس” ضمن منظومة واسعة للمراقبة الإلكترونية، قال إنها استهدفت صحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان ومعارضين ومسؤولين أجانب، من بينهم مسؤولون في الحكومتين الإسبانية والفرنسية.

والتحقيق، الذي حمل عنوان “مشروع بيغاسوس: داخل آلة التجسس المغربية”، أنجزه ائتلاف يضم 39 صحفيا و14 مؤسسة إعلامية دولية، من بينها صحيفة “الغارديان” البريطانية و”لوموند” الفرنسية و”هآرتس” الإسرائيلية و”إل كونفيدنسيال” الإسبانية و”دي تسايت” الألمانية، بتنسيق من مبادرة “قصص ممنوعة” (Forbidden Stories)، وبدعم تقني من مختبر الأمن التابع لمنظمة العفو الدولية.

 

مزاعم التحقيق

واستند التحقيق إلى شهادات ثلاثة مسؤولين سابقين في أجهزة الاستخبارات المغربية، أبرزهم مصدر استخدم الاسم المستعار “سفير”، إضافة إلى وثائق وصور ورسائل إلكترونية وسجلات استهداف مرتبطة ببرنامج “بيغاسوس”، قال معدوه إنها خضعت للتحقق بمساعدة خبراء في الأمن السيبراني ومسؤولين في أجهزة استخبارات أوروبية.

ويزعم التحقيق أن المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، التي يرأسها عبد اللطيف حموشي، تعتمد على منظومة مراقبة لا تقتصر على برنامج “بيغاسوس”، وإنما تشمل أيضا اعتراض الاتصالات، واختراق الهواتف وشبكات الإنترنت، وزرع أجهزة تنصت وكاميرات، وتتبع التحركات، إضافة إلى الاستعانة بشبكات من المخبرين المحليين ووسائل مراقبة تقليدية.

ويزعم التحقيق أن المغرب بدأ استخدام برنامج “بيغاسوس” عام 2017، بعد حصوله عليه عبر شركة وسيطة مقرها الإمارات، وليس مباشرة من شركة “إن إس أو” الإسرائيلية المطورة للبرنامج. وينقل عن المصدر الرئيسي قوله إن الإمارات تكفلت بتمويل شراء البرنامج قبل إعادة إتاحته لجهات حليفة، مضيفا أن “بيغاسوس” كان يستخدم فقط ضد ما وصفها بـ”الأهداف عالية القيمة”، بعد استنفاد وسائل المراقبة الأقل تكلفة.

كما يورد التحقيق مزاعم بشأن الطريقة التي استُخدم بها البرنامج، قائلا إنه يتيح الوصول إلى محتويات الهواتف المحمولة، بما في ذلك الرسائل والصور وسجلات الاتصالات، فضلا عن تشغيل الكاميرا والميكروفون عن بعد وتتبع الموقع الجغرافي للمستهدفين.

كما يربط التحقيق بين أزمة الهجرة الجماعية إلى مدينة سبتة الإسبانية في ماي 2021 والأزمة الدبلوماسية بين الرباط ومدريد، مدعيا أن السلطات المغربية استغلت تلك الأزمة للضغط على إسبانيا من أجل تغيير موقفها من قضية الصحراء. واستشهد في هذا السياق بوثائق منسوبة إلى جهاز الاستخبارات الإسباني تشير إلى تعرض هواتف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز وعدد من الوزراء للاختراق بواسطة “بيغاسوس” خلال تلك الفترة.

كما يورد التحقيق مزاعم بشأن استهداف أكثر من 200 رقم هاتف إسباني، بينها هواتف مسؤولين حكوميين وصحفيين وضباط في الحرس المدني الإسباني، إضافة إلى سياسيين وصحفيين ومسؤولين فرنسيين. وينقل عن مسؤول سابق في الاستخبارات المغربية قوله إن الجهاز كان “يتجسس على الجميع” باعتبار ذلك إجراء احترازيا، بينما وصف مسؤول في الحرس المدني الإسباني هذه الممارسات، إذا ثبتت، بأنها “خيانة”.

ويفرد التحقيق مساحة واسعة لقضية الصحفي الاستقصائي المغربي عمر الراضي، معتبرا أنها تمثل، بحسب روايته، نموذجا لآليات عمل أجهزة الاستخبارات، من خلال ما وصفه بمزيج من المراقبة الميدانية والتنصت واختراق الهواتف وحملات التشهير، وصولا إلى الملاحقة القضائية. كما يتهم أجهزة الأمن باستخدام المعلومات التي يتم جمعها عبر وسائل المراقبة، في بعض الحالات، لإعداد ملفات اتهام أو حملات إعلامية ضد أشخاص تعتبرهم السلطات مصدر تهديد، استنادا إلى روايات المسؤولين السابقين.

ويشير التحقيق إلى أن شركة “إن إس أو” تؤكد أن برنامج “بيغاسوس” يباع حصرا للحكومات بهدف مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، لكنه يضيف أن تقارير وتحقيقات دولية سابقة نسبت إلى عدد من الدول استخدام البرنامج لاستهداف معارضين وصحفيين ودبلوماسيين وسياسيين.

الموقف المغربي

ولم يتضمن التحقيق، بحسب ما نشر، ردا من السلطات المغربية على الاتهامات الجديدة. وكان المغرب قد نفى مرارا في السابق استخدام برنامج “بيغاسوس” لاستهداف صحفيين أو معارضين، كما نفى وجود أي علاقة بينه وبين شركة “إن إس أو”، معتبرا أن الاتهامات الموجهة إليه تفتقر إلى الأدلة.

كما أشار التحقيق إلى أن شركة “اتصالات المغرب”، التي ورد اسمها في سياق بعض مزاعم التعاون التقني، لم ترد على أسئلة الصحفيين المشاركين في التحقيق.

ويأتي نشر هذا التحقيق في سياق الجدل المستمر منذ عام 2021 بشأن برنامج “بيغاسوس”، الذي ارتبط اسمه بتحقيقات إعلامية دولية اتهمت عددا من الحكومات باستخدامه في مراقبة صحفيين ونشطاء ومسؤولين سياسيين.

وكان المغرب قد نفى مرارا امتلاك البرنامج أو استخدامه في عمليات تجسس تستهدف صحفيين أو معارضين أو مسؤولين أجانب، مؤكدا أنه لا تربطه أي علاقة تجارية بشركة “إن إس أو” الإسرائيلية المطورة لـ”بيغاسوس”، ومطالبا الجهات التي وجهت إليه هذه الاتهامات بتقديم أدلة مادية تثبتها.

المسار القضائي

وفي أعقاب نشر تحقيقات “مشروع بيغاسوس” عام 2021، باشر المغرب سلسلة من الإجراءات القضائية في فرنسا وإسبانيا وألمانيا ضد وسائل إعلام ومنظمات غير حكومية اتهمها بـ”التشهير والافتراء” والإضرار بسمعته، بسبب نشرها تقارير نسبت إليه استخدام برنامج التجسس الإسرائيلي.

وفي ألمانيا، رفضت المحكمة الاتحادية العليا في فبراير 2026 دعاوى رفعها المغرب ضد صحيفتي دي تسايت وزود دويتشه تسايتونغ على خلفية تقارير نشرت عام 2021 حول مزاعم استخدام الرباط برنامج “بيغاسوس”.

وخلصت المحكمة إلى أن القانون الألماني والقانون الدولي لا يمنحان الدول الأجنبية حق مقاضاة وسائل الإعلام الألمانية لحماية “شرفها” أو سمعتها العامة، مؤكدة أن الدولة “لا تملك شرفا شخصيا ولا تتمتع بحقوق شخصية عامة” تتيح لها طلب منع نشر مثل هذه التقارير. وأوضحت المحكمة أن حكمها اقتصر على مسألة الصفة القانونية للمغرب في إقامة الدعوى، ولم يتناول صحة أو عدم صحة المزاعم الواردة في التقارير.

وفي فرنسا، رفع المغرب دعاوى تشهير ضد عدد من وسائل الإعلام والمنظمات، وشهدت تلك القضايا مسارات قضائية متباينة بين قبول بعض الإجراءات الابتدائية ورفض أخرى، فيما تمسك المغرب بأن الاتهامات الموجه إليه تفتقر إلى الأدلة وتشكل حملة تستهدفه.

كما باشر المغرب إجراءات قانونية في إسبانيا ضد وسائل إعلام أعادت نشر مزاعم تتعلق باستخدام “بيغاسوس” دون تقديم أدلة مادية، بحسب الموقف الرسمي للمغرب.

اقرأ المقال كاملاً على لكم