تحليل إخباري l خطاب العرش 2026.. عندما تحتكر المؤسسة الملكية الإنجازات وتؤجل سؤال المسؤولية

لم يحمل خطاب العرش لسنة 2026 مفاجآت سياسية أو إصلاحات جديدة بقدر ما حمل رسالة واضحة مفادها أن المغرب ماضٍ في المسار نفسه، وأن الخيارات الاستراتيجية الكبرى للدولة ليست موضوعاً للنقاش أو المراجعة، بل ينبغي مواصلة تنفيذها وتعزيزها. غير أن أكثر ما يستحق التوقف عنده في الخطاب ليس ما قاله، وإنما المنطق السياسي الذي حكمه، وما ترتب عليه من إعادة تعريف لدور المؤسسات المنتخبة ولطبيعة الانتخابات نفسها.

فالخطاب ينطلق من فرضية أساسية مفادها أن التجربة الممتدة على مدى سبعة وعشرين عاماً كانت ناجحة في مجملها، وأن المطلوب ليس تصحيح المسار، بل تثبيته وتسريعه. ولهذا تكرر فيه الحديث عن الثقة والتفاؤل والاستقرار أكثر مما تكرر الحديث عن الإصلاح أو المراجعة أو المحاسبة. ولم يُقدَّم المغرب بوصفه بلداً يواجه اختلالات تحتاج إلى حلول، وإنما باعتباره نموذجاً نجح في بناء الاستقرار وتحقيق التراكمات الاقتصادية والصناعية، ويستعد للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً.

 

غير أن الرسالة السياسية الأهم جاءت في فقرة قد تبدو عابرة، لكنها في الواقع تمثل قلب الخطاب كله. يقول الملك إن “المكاسب الاقتصادية والاجتماعية، التي تم تحقيقها، تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني؛ فهي نتيجة سنوات متوالية من التراكمات الإيجابية، وذلك بفضل التوجه الاستراتيجي، وصواب الاختيارات الكبرى لبلادنا”.

هذه ليست مجرد جملة إنشائية، بل إعلان سياسي يعيد توزيع المسؤوليات داخل النظام السياسي المغربي. فالخطاب لا ينسب الإنجازات إلى الحكومات المتعاقبة، ولا إلى البرلمانات التي تداولت على التشريع والرقابة، ولا حتى إلى الأغلبية أو المعارضة، بل ينسبها صراحة إلى “التوجه الاستراتيجي” و”الاختيارات الكبرى” للدولة، أي إلى المؤسسة الملكية التي تقود هذه الاختيارات منذ ربع قرن.

وعندما يقال إن الإنجازات “تتجاوز الزمن الحكومي والبرلماني”، فإن معنى ذلك أن الحكومات لا تُقدَّم باعتبارها صاحبة المشروع التنموي، وإنما باعتبارها أجهزة تنفيذ تعمل داخل استراتيجية مرسومة سلفاً. ويصبح دور الانتخابات، تبعاً لذلك، ليس التنافس حول السياسات العامة أو تقديم بدائل مختلفة، وإنما اختيار الفريق الذي سيتولى تنفيذ السياسات نفسها.

ومن هنا تكتسب الإشارة إلى الانتخابات التشريعية المقبلة دلالتها الحقيقية. فالخطاب لم يقدمها باعتبارها لحظة سياسية يمكن أن تفضي إلى مراجعة الخيارات أو تغيير الأولويات، بل تحدث عنها باعتبارها بداية “دورة جديدة” داخل المشروع نفسه. أي أن الزمن الانتخابي يبقى زمناً فرعياً داخل زمن ملكي أطول وأوسع، يحدد الاتجاه العام بغض النظر عن هوية الحكومات.

بهذا المعنى، لا يبدو أن الخطاب يراهن على الانتخابات باعتبارها آلية للتداول على السياسات، وإنما باعتبارها أداة لتجديد النخب المكلفة بتنفيذها. وهو تصور يعزز استمرارية الدولة، لكنه في المقابل يقلص الرهانات السياسية المرتبطة بالاقتراع، ويطرح سؤالاً مشروعاً حول هامش المبادرة الحقيقي الذي تملكه الحكومات المنتخبة.

وليس من قبيل المصادفة أن يحتل الاقتصاد الحيز الأكبر من الخطاب. فقد استعرض الملك أرقام النمو، وصناعة السيارات والطيران، والبطاريات الكهربائية، والهيدروجين الأخضر، والأمن السيبراني، والصناعات الدفاعية، والأسواق المالية، في سردية تقدم المغرب باعتباره قوة صناعية صاعدة. غير أن هذه السردية ركزت على المؤشرات الكلية أكثر مما اهتمت بانعكاساتها الاجتماعية.

أما الغائب الأكبر عن الخطاب فهو  المواطن نفسه. لم يكن هناك حديث عن البطالة التي لا تزال تمس مئات الآلاف من الشباب، ولا عن الغلاء الذي أصبح الهم اليومي للأسر المغربية، ولا عن أزمة المدرسة العمومية، ولا عن أوضاع المستشفيات، ولا عن الفوارق الاجتماعية التي تتسع رغم ارتفاع نسب النمو، ولا عن تعثر إصلاح الإدارة والقضاء، ولا عن تراجع الثقة في العمل السياسي وعزوف الشباب عن المشاركة في الانتخابات.

قد يكون هذا الغياب مقصوداً، لأن الخطاب اختار أن يتحدث بلغة الاستراتيجيات الكبرى لا بلغة التفاصيل اليومية. لكن هذا الاختيار يخلق مفارقة واضحة. فإذا كانت الدولة تطالب المواطنين بالنظر إلى الصورة الكبرى، فإن هؤلاء ينظرون، في المقابل، إلى تفاصيل حياتهم اليومية: القدرة الشرائية، وفرص العمل، وجودة التعليم، والخدمات الصحية، والعدالة الاجتماعية.

وهنا يبرز السؤال الأكثر حساسية، وهو سؤال المسؤولية السياسية. فإذا كانت المؤسسة الملكية تنسب إلى نفسها، من خلال “التوجه الاستراتيجي” و”الاختيارات الكبرى”، حصيلة سبعة وعشرين عاماً من الإنجازات، فإن المنطق السياسي نفسه يقتضي أن يُطرح السؤال حول مسؤولية هذه الاستراتيجية عن الإخفاقات التي راكمتها المرحلة ذاتها. فلا يمكن الفصل بين الإنجازات والإخفاقات عندما يصدران عن المرجعية الاستراتيجية نفسها.

هذه ليست دعوة إلى تحميل المسؤوليات على نحو اعتباطي للمؤسسة الملكية وحدها، وإنما هي نتيجة منطقية للخطاب نفسه. فمن يحتكر رواية النجاح لا يستطيع أن يعفي نفسه من النقاش حول أسباب التعثر. وإذا كانت الحكومات تُقدَّم باعتبارها مجرد حلقات تنفيذية داخل مشروع أوسع، فإن تحميلها وحدها مسؤولية الأزمات الاجتماعية يصبح أمراً يصعب تبريره سياسياً.

في النهاية، يبدو خطاب العرش لسنة 2026 أقرب إلى خطاب تثبيت الشرعية السياسية للمسار القائم منه إلى خطاب إطلاق إصلاحات جديدة. فهو يطلب من المغاربة الثقة في الخيارات التي اتُّخذت، ويؤكد أن المستقبل امتداد للماضي، وأن الانتخابات المقبلة لن تغير الاتجاه العام للدولة، بل ستمنحه دفعة جديدة. غير أن هذا الخطاب، وهو يعزز سردية الإنجاز والاستمرارية، يفتح في الوقت نفسه نقاشاً لا يقل أهمية مفاده: إذا كانت المؤسسة الملكية هي صاحبة المشروع وصاحبة الإنجاز، فمن يتحمل مسؤولية ما بقي من إخفاقات بعد سبعة وعشرين عاماً من الحكم؟ ذلك هو السؤال الذي تركه الخطاب معلقاً، وربما يكون أكثر ما سيشغل النقاش السياسي في المرحلة المقبلة.

اقرأ المقال كاملاً على لكم