تراث العقل أمام الآلة..

أتساءل أحيانا: لو امتد الزمن بفلاسفة العرب وشعرائهم الكبار، لو خرجوا من فضاءات القرون الوسطى ليجدوا أنفسهم فجأة في قلب القرن الحادي والعشرين، بين شاشات لا تنام، وخوارزميات تعيد تشكيل الوعي، وذكاء اصطناعي يعيد تعريف معنى الإنسان والمعرفة والحقيقة، كيف كانوا سيواجهون هذا العالم المتسارع؟ كيف كانت عقول مثل عقول الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد وأبي حيان التوحيدي والمعري والمتنبي ستتفاعل مع عصر تجاوز الحدود الجغرافية، وأصبح فيه الإنسان يعيش داخل شبكة كونية من المعلومات والصور والأفكار؟

ربما لم يكونوا سيقفون موقف الرفض أو الانبهار، لأن الفلاسفة الحقيقيين لا يخافون من الجديد، بل يمتحنون منطقه وأسسه ونتائجه. كانوا سيسألون قبل غيرهم: من يملك المعرفة في هذا العصر؟. من يصنع الحقيقة؟. هل التكنولوجيا أداة لتحرير الإنسان أم وسيلة جديدة لإعادة تشكيله وفق مصالح القوى المسيطرة؟. وهل وفرة المعلومات تعني بالضرورة اتساع العقل، أم أنها قد تتحول إلى شكل جديد من أشكال الجهل المركب حين يغيب النقد والتأمل؟. لقد عاش هؤلاء المفكرون في عصور لم تكن أقل اضطرابا فكريا مما نعيشه اليوم. فقد واجهوا أسئلة السلطة والعقل والدين واللغة والطبيعة والإنسان. كانوا أبناء زمنهم، لكنهم تجاوزوا حدود أزمنتهم لأنهم لم يبحثوا عن أجوبة جاهزة، بل عن أسئلة قادرة على مقاومة النسيان. ولهذا فإن حضورهم اليوم لا يرتبط فقط بما قالوه، وإنما بالطريقة التي مارسوا بها التفكير باعتباره فعلا نقديا ومغامرة عقلية مفتوحة.

ولعل أكثر الشخصيات إثارة للتأمل في هذا السياق هو أبو العلاء المعري، ذلك الشاعر الفيلسوف الذي لم يكن مجرد صوت شعري حزين في تاريخ الأدب العربي، بل كان مشروعا فكريا وأخلاقيا قائما على مساءلة الإنسان وعلاقته بذاته وبالكائنات الأخرى وبالعالم.

لو عاش المعري في زمننا، زمن النقاشات الكبرى حول حقوق الحيوان، والبيئة، والأخلاق الحيوية، وربما الذكاء الاصطناعي، لكان من الصعب اختزاله في صورة الشاعر الزاهد أو المتشائم التي التصقت به طويلا.

فمن داخل عزلته الاختيارية، كان يبني رؤية أخلاقية تتجاوز حدود الإنسان الضيقة نحو تصور أكثر رحمة تجاه الحياة. لقد نظر المعري إلى الحيوان باعتباره كائنا له إحساس ووجود وقيمة في ذاته، وليس مجرد مادة مسخرة لخدمة الإنسان. وكان رفضه لأكل اللحوم، وانتقاده لاستغلال الحيوان، ودعوته إلى الزهد في استهلاك منتجاته، تعبيرا عن حس أخلاقي عميق يجعل من الرحمة مبدأ مركزيا في العلاقة مع الكائنات. في زمننا الحالي، حيث أصبحت قضايا النباتية، وحقوق الحيوان، والأخلاق البيئية موضوعات فلسفية عالمية، يبدو أن المعري كان قد اقترب قبل قرون، من أسئلة ستصبح لاحقا جزءا من النقاش الأخلاقي الحديث.

لم يكن موقفه مجرد اختيار شخصي، بل كان امتدادا لفلسفة ترى أن القوة لا تمنح الإنسان حق السيطرة المطلقة على الوجود، وأن العقل الحقيقي يبدأ حين يتحول من أداة للهيمنة إلى أداة للمسؤولية.

ربما كان المعري سيقف اليوم أمام مدننا العملاقة وأسواقنا المفتوحة وثقافة الاستهلاك المتسارع، ليسأل: هل تقدم الإنسان حقا حين امتلك قدرة أكبر على الإنتاج، أم أنه أصبح أكثر ابتعادا عن جوهره الأخلاقي؟، كان سيتأمل العلاقة الجديدة بين الإنسان والطبيعة، بين التكنولوجيا والبيئة، بين الرفاهية الفردية والثمن الذي تدفعه الكائنات الأخرى.

وربما كان سيعيد صياغة سؤاله القديم في صورة جديدة: هل كل ما يستطيع الإنسان فعله يحق له أن يفعله؟ فالمشكلة عند المعري لم تكن في المعرفة، بل في انفصال المعرفة عن الحكمة. ولم تكن في العقل، بل في عقل لا تحكمه المسؤولية الأخلاقية.

وهذا السؤال تحديدا يبدو راهنا أكثر من أي وقت مضى في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث أصبح الإنسان قادرا على بناء أنظمة تحاكي التفكير، لكنه ما يزال يبحث عن معيار يوجه هذا التفكير نحو الخير.

ابن رشد هو الآخر، دافع عن التوفيق بين الحكمة والشريعة، وعن مكانة العقل في بناء الحقيقة، ربما كان سيجد في التكنولوجيا الحديثة مجالا جديدا للدفاع عن العقلانية. لكنه في الوقت نفسه كان سيسأل عن حدود السلطة التقنية، وعن الجهة التي تتحكم في المعرفة الرقمية. كان سيجد أن معركته القديمة ضد إقصاء العقل قد انتقلت من فضاء الكتب والمناظرات إلى فضاء المنصات والخوارزميات. فالسؤال يتجاوز، هل للعقل مكان في فهم العالم؟ إلى، من يحدد ما يصل إلى العقل من معلومات؟ ومن يصنع ترتيب المعرفة في زمن تتحكم فيه الخوارزميات؟ المتنبي بين صناعة الذات وصناعة الصورة

أما المتنبي شاعر الكبرياء والذات المتعالية، فربما كان سيجد نفسه في قلب عالم الصورة والشهرة الرقمية. لكنه ربما كان سيعيد مساءلة مفهوم المجد في عصر أصبح فيه الانتشار معيارا للقيمة، وحيث يمكن لصورة عابرة أن تصنع نجومية أكبر من أثر فكري عميق. كان سيسأل: هل الشهرة دليل على العظمة، أم أنها مجرد انعكاس لقدرة الآلة على تضخيم الأصوات؟ وهل الإنسان اليوم يصنع ذاته أم تصنعه المنصات؟.

إن استحضار هؤلاء المفكرين لا يعني الحنين إلى الماضي أو البحث عن حلول جاهزة في كتب التراث، بل يعني استعادة روحهم النقدية. فقد كانت عظمتهم أنهم لم يعيشوا أسرى لعصرهم، بل امتلكوا القدرة على مساءلة عصرهم.

إنه في زمننا الذي تتضاعف فيه المعرفة وتتناقص فيه الحكمة، ربما نحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى روح المعري في الدفاع عن الرحمة، وإلى عقل ابن رشد في الدفاع عن التفكير الحر، وإلى بصيرة الفارابي وابن سينا في فهم الإنسان والعالم، وإلى حس المتنبي في مساءلة معنى القوة والمجد. فالتاريخ لا يعيد الأشخاص، لكنه يعيد الأسئلة. وربما يكون السؤال الأكبر الذي سيطرحه فلاسفة العرب لو عادوا بيننا هو: “هل جعلتنا كل هذه المعرفة أكثر إنسانية، أم أننا أصبحنا نملك أدوات هائلة دون أن نمتلك الحكمة الكافية لاستخدامها؟”.

نعم، لقد انتقل الإنسان من عصر كان يبحث فيه عن أسرار الكون، إلى عصر أصبحت فيه الآلات تساعده على تفسير الكون، لكنه ما يزال يواجه السؤال الأقدم: كيف ينبغي أن يعيش؟.

The post تراث العقل أمام الآلة.. appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress