تشكيك بأمان محطة الضبعة... هل يكفي النفي لمواجهة الشائعات؟
مع اقتراب تشغيل أول وحدة في محطة الضبعة النووية، تتجدد الشائعات التي تطاول إجراءات السلامة والأمان، لتتحول من مجرد معلومات متداولة على مواقع التواصل إلى تحدٍّ يواجه واحداً من أكبر المشاريع الاستراتيجية في مصر.
وجاءت أحدث موجة من الجدل بعدما نفت هيئة المحطات النووية ما وصفته بـ"مغالطات" أثيرت عقب تداول مقاطع مصورة من مراسم تركيب وعاء ضغط المفاعل في الوحدة النووية الثانية، مؤكدة أنها استندت إلى استنتاجات جرى استخلاصها "من دون الاطلاع على إجراءات التنفيذ الفعلية أو الوثائق الفنية المنظمة للعملية.
وبينما يؤكد مختصون أن المشروع يخضع لمنظومة رقابية صارمة تجعل الإخلال بمعايير الأمان أمراً مستبعداً، يرون في المقابل أن البيانات الرسمية وحدها لا تكفي لاحتواء المعلومات المضللة، ما لم ترافقها جهود مستمرة لتعزيز الوعي العام وشرح طبيعة المشروع.
تجاوز المعايير "مستحيل"
يؤكد نائب رئيس هيئة المحطات النووية المصرية السابق الدكتور علي عبد النبي لـ"النهار" أن مشروع الضبعة، الذي يستخدم مفاعلات الجيل الثالث المطور VVER-1200، يخضع لآليات رقابية متعددة الطبقات، تجعل "التجاوز الشكلي أو التعمدي" لمعايير الأمان أمراً "مستحيلاً عملياً".
ويشرح أن "معايير الأمان النووي ليست مجرد إرشادات أو توصيات هندسية يمكن التفاوض عليها أو تعديلها لتقليل التكلفة أو تسريع الجداول الزمنية، بل هي مبادئ حتمية وثوابت صارمة تخضع لرقابة محلية ودولية مشددة، وأي إخلال بها يعطل المشروع برمته".
وقد تنشأ بعض الادعاءات، بحسب عبد النبي، من تداول معلومات غير دقيقة بشأن تعديلات أو ملاحظات جودة روتينية تُعالج هندسياً داخل الموقع. ويشير إلى أن "أي شك في سلامة قطعة أو مرحلة من مراحل التركيب يستوجب تجميد الأعمال فوراً بقرار من الهيئة الرقابية المصرية، لأن تكلفة التأخير تبقى ضئيلة مقارنة بتبعات أي خلل في الأمان النووي".
فجوة بين الشائعة والتصحيح
تتمثل المشكلة الأخرى في سرعة وصول الادعاءات إلى الجمهور مقارنة ببيانات التصويب. ويرى الخبير في تكنولوجيا الإعلام والتحول الرقمي أحمد عصمت أن بعض الأطراف "تريد التقليل من هذا النوع من المشروعات القومية الكبرى، التي تحل مشكلات مهمة بالنسبة لمصر، لذا تنشر شائعات للحط من قيمة ما يتم تحقيقه".
ويتوقع عصمت، في حديثه لـ"النهار"، ارتفاع وتيرة المعلومات المضللة كلما اقترب المشروع من مرحلتي الاختبار والتشغيل، داعياً إلى تعريف المصريين بتفاصيله بصورة مبسطة. ويقترح الاستعانة بطلاب مدرسة الضبعة النووية للمساهمة في شرحه وطمأنة السكان، انطلاقاً من أن "النفي ليس كافياً للتصدي للشائعات".
ويستند في ذلك إلى دراسات تشير إلى أن الشائعات تنتشر بنحو 6 أضعاف الحقائق، ما يوسع الفجوة بين عدد من يتعرضون للمعلومة المضللة ومن يصل إليهم التصحيح. لذلك، يحتاج مشروع بحجم الضبعة، وفق عصمت، إلى خدمة إعلامية مستمرة تواكب مراحله وتقدم المعلومات قبل أن تملأ الروايات غير الدقيقة الفراغ.

التوقيت يضاعف التأثير
ترتبط فعالية الشائعة أيضاً بالقطاع الذي تستهدفه واللحظة التي تظهر فيها. وتشير أحدث بيانات رئاسة مجلس الوزراء المصري إلى أن قطاعات الاقتصاد والطاقة والتموين والصحة تتصدر الملفات المستهدفة، بنسب تراوح بين 10% و14% من إجمالي المعلومات المضللة، فيما ارتفع انتشارها عموماً بنسبة 113% خلال النصف الأول من عام 2026 مقارنة بالفترة نفسها من 2025.
ويحظى ملف الضبعة بحساسية إضافية مع تقدم المشروع نحو التشغيل التجاري لأول وحدة، المتوقع في 2028. وتضم المحطة 4 وحدات من الجيل الثالث المطور، بقدرة 1200 ميغاواط لكل منها، وإجمالي 4800 ميغاواط.
ويرى عبد النبي أن ظهور الشائعات بالتزامن مع المراحل المفصلية في المشاريع الاستراتيجية يحمل دلالات تتجاوز خطأ عابراً في نقل معلومة هندسية. ويوضح أن "بعضها ينتج من عدم فهم الإجراءات الفنية وإعادة تداولها بتهويل، فيما يرتبط بعضها الآخر بمحاولات مقصودة للتشكيك السياسي والاقتصادي في نجاح القفزات التكنولوجية واستدامة أمانها".
وفي الحالتين، يحسم عبد النبي معيار التحقق بقوله: "الفيصل دائماً يكمن في الأرقام، والوثائق، والرقابة الميدانية المستقلة الصارمة".