تعليم الإمارات يترجم إلى اقتصاد: صعود إلى المركز 17 عالمياً في مؤشر المهارات المستقبلية

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

خلال سنوات قليلة، انتقلت الإمارات من التعامل مع التعليم العالي كقطاع خدمي إلى معاملته كأداة إنتاج مباشرة ضمن اقتصادها. هذا التحول لا يظهر فقط في الأرقام الرسمية للموازنة، بل في الطريقة التي تُبنى بها البرامج الجامعية والسياسات التعليمية، بحيث ترتبط مخرجاتها بما تحتاج إليه القطاعات الاقتصادية الفعلية، من الذكاء الاصطناعي إلى الطاقة والصناعة المتقدمة.

المؤشرات الدولية الأخيرة، وعلى رأسها مؤشر "كيو إس" العالمي لمهارات المستقبل (QS World Future Skills Index)، لم تصنع هذا الإنجاز بل رصدته: فالدولة سجّلت ثالث أعلى نتيجة عالمياً في محور "التحول الاقتصادي" بدرجة 98.9 من 100، متقدمة بذلك على غالبية الاقتصادات المتقدمة في أوروبا وآسيا. صنّفت "كيو إس" الإمارات ضمن فئة محدودة من الدول وصفتها بـ"فائقة التحويل " (over-converter)، أي أن نتائجها الاقتصادية الفعلية تتجاوز ما تشير إليه مؤشرات جاهزيتها الأكاديمية وحدها، إلى جانب الصين وكوريا الجنوبية. بعبارة أخرى: النظام التعليمي الإماراتي لا يخرّج كفاءات أكاديمية فقط، بل ينتج قوى عاملة تُترجم مباشرة إلى إنتاجية وابتكار في السوق.

إنفاق حكومي يخدم التنويع الاقتصادي

هذا الأداء لم يأت من فراغ، فالموازنة الاتحادية لعام 2025 خصّصت 10.914 مليارات درهم (نحو 2.97 ملياري دولار) لبرامج التعليم العام والعالي، أي ما يمثل 15.3% من إجمالي الموازنة البالغة 71.5 مليار درهم (نحو 19.5 مليار دولار)، بحسب بيانات مجلس الوزراء الإماراتي. هذا الإنفاق ليس بنداً اجتماعياً معزولاً، بل يُدرج ضمن استراتيجية أوسع لبناء اقتصاد معرفي تقل فيه الاعتمادية على النفط، وترتفع فيه مساهمة القطاعات التي تحتاج كفاءات بشرية متقدمة كالتكنولوجيا والطاقة النظيفة والخدمات المالية.

ويعكس هذا التوجه فلسفة إدارية أساسها أن الاستثمار في التعليم لا يقاس بالمخرجات الأكاديمية وحدها، بل بقدرة الاقتصاد على استيعاب هذه المخرجات وتحويلها إلى نمو حقيقي؛ وهو ما فسّر تفوق الإمارات في محاور "القدرة الاقتصادية" (95.3 نقطة) و"جاهزية القوى العاملة" (94.3 نقطة) و"الابتكار المستقبلي" (93.8 نقطة) بحسب تفاصيل التقرير.

امتداد الالتزام إلى الساحة الدولية

يتقاطع هذا النهج المحلي مع توجه الإمارات لدعم مبادرات التعليم على المستوى العالمي، عبر تعهدها بتقديم 5 ملايين دولار لصندوق "فيفا" (FIFA) و"غلوبال سيتيزن" (Global Citizen) للتعليم، دعماً لبرامج تمنح الأطفال في مجتمعات أقل حظاً فرصة اكتساب المهارات الأساسية. هذا التعهد ساهم في رفع حصيلة الصندوق إلى 60 مليون دولار قبل نهائي كأس العالم 2026، ويُقرأ في سياق سياسة إماراتية أوسع تربط بين قوة النظام التعليمي المحلي والمساهمة في تمكين التعليم عالمياً، بما يعزز موقع الدولة كفاعل في منظومة التنمية الدولية لا كمتلقٍ لها فقط.

شراكات تؤسس لاستمرارية الأداء

جزء من استدامة هذا الإنجاز يعود إلى شراكة استراتيجية بين وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ومؤسسة "كيو إس"، تتيح للوزارة الوصول إلى تحليلات وبيانات دولية تُستخدم في ضبط السياسات الأكاديمية بصورة مستمرة، بدل الاعتماد على تقييمات دورية متباعدة. هذا النمط من الشراكة يحوّل التصنيفات الدولية من أداة قياس خارجية إلى أداة تخطيط داخلية، وهو ما يفسر جزئياً القفزة الكبيرة التي حققتها الدولة بين نسختين متتاليتين من المؤشر خلال عام واحد فقط.

ضغط الطلب يفرض تسريع التحديث

لكن هذا التقدم يأتي في مواجهة تحدٍّ متصاعد على الجانب الآخر من المعادلة: سوق العمل نفسه. تشير تقديرات صادرة عن شركتي "سيرفس ناو" (ServiceNow) و"بيرسون" (Pearson) إلى أن الإمارات ستحتاج إلى إضافة نحو 1.03 مليون عامل بحلول عام 2030، بزيادة تبلغ 12.1% في إجمالي القوى العاملة، مع ارتفاع الطلب على الأدوار التقنية بنسبة 54%، أي ما يعادل أكثر من 91 ألف اختصاصي تقني إضافي. هذا الحجم من الطلب يجعل من نجاح الجامعات في مواءمة مخرجاتها مع السوق ليس مجرد ميزة تنافسية، بل شرطاً لتفادي فجوة مهارات قد تُبطئ وتيرة التوسع الاقتصادي المخطط له.

وتستجيب الدولة لهذا الضغط ببرامج تدريب مؤسسية تتجاوز الجامعات التقليدية؛ فقد أعلنت الحكومة الاتحادية شراكة معرفية مع جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي (MBZUAI) لتأهيل 80 ألف موظف اتحادي كخبراء في "الذكاء الاصطناعي الوكيل" (Agentic AI) عبر جميع الفئات الوظيفية، بالتعاون مع جامعات وطنية وشركات تقنية.

هذا النموذج يوسّع مفهوم "التعليم العالي" ليشمل إعادة تأهيل القوى العاملة الحالية لا الخريجين الجدد فقط، وهو امتداد منطقي لفلسفة "التحويل الاقتصادي" التي رصدها مؤشر كيو إس، ويشير إلى أن الإمارات تنظر إلى تطوير المهارات كعملية مستمرة ترافق النمو الاقتصادي خطوة بخطوة، لا كإنجاز تُحقّقه مرة واحدة.


اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية