تفاوض لبنان مع إسرائيل

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;} سليم جريصاتي - وزير العدل سابقاً

 

إن التفاوض المباشر الذي يقوم به لبنان مع إسرائيل يطرح أكثر من إشكالية من دون أن يصل إلى حالة عدم الجواز قطعاً. إن ما يثار حوله لا يرتقي إلى ما يدّعي البعض من ارتكاب من يتولى التفاوض، عملاً بأحكام الدستور، جرائم الخيانة العظمى وخرق الدستور، ذلك أن هذه المزاعم مردّها إلى عوامل سياسية وتفسير خاطئ لنصوص قانونية، وعامل آخر معقّد ويكمن في أن الدولة اللبنانية تسعى من خلال هذا التفاوض إلى إثبات قدرتها على استعادة مقوّماتها كدولة وسيادتها الكاملة على إقليمها باحتكار السلاح وقرار الحرب والسلم. إن رئيس الجمهورية الذي أقسم، من دون سواه، اليمين الدستورية بالحفاظ على استقلال الوطن وسلامة أراضيه، وذلك بصفته رئيساً للدولة ورمزاً لوحدة الوطن وساهراً على احترام الدستور واستقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه، لا يمكنه التغاضي عن احتلال أراضٍ لبنانية من دولة عدوة تتمادى في عدوانها إلى أبعد الحدود. إن مثل هذا التغاضي هو بحد ذاته خرق للدستور يوجب، في حال حصوله، اتهام الرئيس ومحاكمته.

 

أما النصوص القانونية التي لم يحسن البعض تفسيرها، فهي تلك المتعلقة بقانون مقاطعة إسرائيل والمواد الواردة في قانون العقوبات اللبناني والتي تجرّم الصلات مع العدو. ما يجب إيضاحه في هذا الخصوص أن نصوص قانون مقاطعة إسرائيل وجرائم الصلات مع العدو إنما طابعها اقتصادي بحت (علاقات تجارية أو مالية أو فنية أو ما هو أدهى من ذلك أي التجسّس لمصلحة إسرائيل). إن التفاوض مع دولة اخرى، ونحن في حالة حرب معها، يكون بالمبدأ سيادياً وخارج أطر الحظر القانوني عملاً بالفرض الدستوري أعلاه، ولا سيما أن هذه الدولة العدوة تتمادى في عدوانها علينا وتقتل وتهجّر شعبنا المسالم شباباً وشيباً وأطفالاً من دون ورع وتدمّر حجرنا وتحرق حقولنا وتمنع كل أساليب الترميم وإعادة الإعمار والتأهيل وتنتهك أجواءنا وبحرنا وتقطّع أوصال وطننا وتقضي على معالمنا التاريخية وصروحنا الطبّية والدينية والتربوية ومقارّنا الرسمية، وتتقصّد أن تقتل عمداً وعلناً الإعلاميين وأفراد جيشنا اللبناني من جميع الرتب وأطقم الإسعاف والدفاع المدني، من دون أن توفر قوات الأمم المتحدة العاملة في جنوب لبنان، فضلاً عن أنها تأسر أبناءنا وتخفي أثرهم ولا تعيد رفات شهدائنا.

لذلك، تنتفي كل الأسباب التي تحرّم التفاوض المباشر مع عدوّ إبادي كهذا لم نجد سبيلاً إلى صدّه ميدانياً. أما أن يجري هذا التفاوض في واشنطن وبرعاية الولايات المتحدة الاميركية، وهي الدولة الأوزن في الحروب الحاصلة في الاقليم والمعنية أولاً بأول بها ما دامت راعية المسار اللبناني-الإسرائيلي وطرفاً في تفاهم إسلام أباد، فإنما يصب في مصلحة لبنان إن أحسن رئيس الجمهورية امتلاك أوراق تفاوضية قوية ومستمدة من القانون الدولي الإنساني والبند الأول من مذكرة تفاهم إسلام آباد، مراكماً المكتسبات لمصلحة لبنان من دون التنكر لها إن أتت من مسار منفصل.

أما لجهة الدستور وما أثير بشأن المادتين 52 و65 منه، فإن ما يجب التأكيد عليه، بادئ ذي بدء، هو أن كل تفاوض للدولة اللبنانية مع شخص عام معنوي أجنبي، سواء كان دولة أو منظمة دولية، يجب أن يسلك، من البدء، المسلك المنصوص عليه في الدستور، أي أن يتولاه رئيس الجمهورية ويبرم أي اتفاق ناجم عنه مع رئيس الحكومة (مرحلة الإبرام الرئاسي). هذا ولا تُعدّ المعاهدة الدولية مبرمة إلا بعد موافقة مجلس الوزراء عليها (مرحلة الإبرام التنفيذي)، وهو السلطة التي ناطت بها المادة 65 من الدستور وضع السياسة العامة للدولة في جميع المجالات وأخضعت موافقتها على إبرام المعاهدات والاتفاقيات الدولية لأكثرية موصوفة (الثلثان من أعضاء مجلس الوزراء). هذا وتُعرض المعاهدة على مجلس النواب بشروط المادة 52 من الدستور (مرحلة الإبرام التشريعي)، حيث نصت المادة المذكورة على أن تطلع الحكومة مجلس النواب على المعاهدة "حينما تمكنها من ذلك مصلحة البلاد وسلامة الدولة"، ما يعني أن موافقة مجلس النواب ليست القاعدة المطلقة، وهي غير مطروحة أو ملزمة راهناً. يبقى أن المشكلة ليست في التفاوض بحد ذاته، على ما شرحنا وسوف نسهب، بل في الصياغات التي يجب الحرص الشديد على الدقة فيها وتفادي العبارات الغامضة والالتزامات الفاقعة غير المألوفة، والتي فيها كل بذور التدمير الذاتي للاتفاقات. 

إن ما جرى حتى الآن من جلسات وأوراق بين لبنان وإسرائيل مباشرة برعاية أميركية قد أدى إلى "اتفاق إطار" تمهيدي تم التوصل إليه بإشراف رئاسي مباشرعليه تولاه رئيس الجمهورية بالاتفاق مع رئيس الحكومة. إن ما تجدر الإشارة إليه في هذا الخصوص أن المادة 2 من "اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات" التي دخلت حيز النفاذ في 27/1/1980 قد عرّفت "المعاهدة" بالاتفاق الدولي المعقود بين الدول في صيغة مكتوبة والذي ينظمه القانون الدولي، سواء تضمنته وثيقة واحدة أو وثيقتان منفصلتان أو أكثر ومهما كانت تسميته الخاصة، على أن تقر الدولة المتفاوضة بمقتضاه على المستوى الدولي رضاها الالتزام به. من هذا المنطلق، هل يمكن وصف "اتفاق الإطار" الذي نحن بصدده بالمعاهدة بمفهوم القانون الدولي، وهو لم يقترن لتاريخه بتوقيع رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء؟ وهل يمكن اعتبار قرار مجلس الوزراء تاريخ 25/6/2026 بأخذ المجلس علماً بالتفويض المعطى من قبل رئيس الجمهورية بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء إلى الوفد الذي يفاوض في واشنطن دولة إسرائيل وتكليفه إجراء ما يلزم والتوصل إلى النتيجة المرجوّة وذلك تحت إشرافهما، بمثابة "وثيقة التفويض الكامل" بمفهوم المادة 2 من اتفاقية فيينا أعلاه؟ وهل يمكن اعتبار "اتفاق الإطار" هو "النتيجة المرجوة" من هذه المفاوضات لإخضاع إبرامه لموافقة مجلس الوزراء عملاً بالمادة 52 من الدستور على ما أتى في القرار المذكور؟ 

 

أسئلة محقة وأجوبة تحتاج إلى مطولات حيث نكتفي بالقول إن هذا الاتفاق يتضمّن التزامات على لبنان، ولهذه الجهة على الأقل، يجب أن يُعرض على مجلس الوزراء كي يصبح مبرماً. إلا أن التبحّر فيه وفي السوابق يظهر أنه يندرج في خانة التفاهمات التقنية جراء اجتماعات دورية، ولا يرتقي إلى مرتبة التسوية النهائية أو اتفاق سلام، وهو بعيد كل البعد عن "النتيجة المرجوة" لكونه اتفاق إطار يمهد لاتفاقات نهائية إن وجد إلى ذلك سبيلاً في مسار واشنطن. 

إضافة إلى كل ذلك، غاب عن البعض أن العرف هو من مصادر القانون، ولا سيما القانون الدستوري، حيث إن الأعراف الدستورية لها مكانة خاصة في الحياة العامة. إن العرف الدستوري في لبنان نشأ صحيحاً وأنشأ أوضاعاً قانونية كسب لبنان منها حقوقاً ثابتة ومعترفاً بها دولياً. وإليكم بعض الأمثلة الدالة في هذا المضمار:
1- اتفاق الهدنة (1949) الذي اكتفي بتوقيعه سنداً للقرار رقم 62 الصادر عن مجلس الأمن تحت الفصل السابع، علماً بأن القرارات الصادرة عن مجلس الأمن تسمو المعاهدات والاتفاقات الدولية.
2- اتفاق القاهرة (1969) بين قيادة الجيش اللبناني ومنظمة التحرير الفلسطينية، والذي لم يُعرض على الحكومة اللبنانية ولا على مجلس النواب، واكتفي في حينه باعتماده من رئيس الجمهورية المتولي السلطة التنفيذية قبل الطائف.
3- اتفاق 17 أيار (1983) الذي وافق عليه مجلس الوزراء ومجلس النواب قبل التوقيع عليه ولم يصمد بالرغم من ذلك.
4- تفاهم نيسان (1996) الذي وافق عليه مجلس الوزراء من دون ابرام.
5- اتفاقية الحدود البحرية (2022) التي اكتفي بالتوقيع عليها من دون إبرام ولا نشر في الجريدة الرسمية، وكانت الحكومة تصرف الأعمال في حينه من دون أن يغير هذا الأمر شيئاً في قوة هذه الاتفاقية ونفاذها.
6- الترتيبات لوقف الأعمال العدائية (2024) التي "أخذ العلم بها" مجلس الوزراء في 27/11/2024 و"اعتُبرت جزءاً لا يتجزأ من القرار 1701" من دون توقيع ولا إبرام ولا نشر في الجريدة الرسمية.
فأين نحن من كل ذلك بمعرض اتفاق إطار لم يتم توقيعه لحينه من كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة؟

الهدأة مطلوبة في الأزمنة العصيبة والإضاءة المجدية على المسالك السليمة دستورياً لتصحيح أي خلل في التفاوض مع إسرائيل مطلوبة أيضاً أكثر فأكثر، من طريق الاستعانة بخبراء مقتدرين، من دون أن نكيل للمسؤولين الدستوريين في دولتنا اتهامات التخوين الخطيرة ومن دون تسديد ضربات قاتلة لتماسكنا الوطني وسلطاتنا الدستورية في أخطر مرحلة من مراحل حياتنا الوطنية العامة.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية