تقرير: 15 سنة على إقرار الدستور.. حقوق مهضومة وهوة عميقة بين النص والممارسة

كشف تقرير للعصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، جرى تقديمه اليوم الجمعة، بمناسبة مرور 15 سنة على إقرار دستور 2011، أن هناك مسافة بين النص الدستوري والممارسة القائمة، وأن عدداً من المقتضيات الدستورية لم تتحول بعد إلى ضمانات فعلية ومستقرة في الحياة اليومية، مع استمرار انتهاك جملة من الحقوق.

وأبرز التقرير أن المشكلة ليست في الدستور وحده، وإنما في كيفية تنزيله وتأويله وتفعيله، مؤكدا أن عدداً من الحقوق والحريات التي جعلها الدستور في صلب البناء الدستوري ما تزال تواجه تحديات حقيقية، وفي مقدمتها حماية الحق في الحياة، وحرية الرأي والتعبير والصحافة، وحرية التجمع والتنظيم والاحتجاج السلمي، مع وجود صعوبات حقيقية في تحويل الحقوق الاجتماعية من إعلان دستوري إلى سياسات عمومية قابلة للقياس والتقييم، وهو ما يعكسه واقع الصحة والتعليم، وغيرهما.

 

حقوق وحريات في مهب الريح

ففيما يخص الحق في الحياة والسلامة الجسدية والمعنوية، سجل التقرير أنه ورغم كون الدستور جعله أول الحقوق لكل إنسان، وحظر المس بالسلامة الجسدية والمعنوية، ومنع التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، إلا أن استمرار الإشكالات المرتبطة بعقوبة الإعدام، واستمرار تسجيل مزاعم تتعلق بالتعذيب وسوء المعاملة، يطرحان ضرورة الانتقال من مجرد النص على الحماية إلى توفير ضمانات أكثر فعالية للوقاية والمساءلة وعدم الإفلات من العقاب.

كما أن حرية الرأي والتعبير والصحافة، يضيف التقرير، لا تزال من أبرز الملفات التي تستوجب مراجعة جادة؛ فالحرية مضمونة دستوريا لكنها مقيدة عمليا؛ إذ ورغم أن دستور 2011 جعل الحرية هي الأصل في الفكر والرأي والتعبير والصحافة، ومنع الرقابة القبلية عليها، إلا أن الواقع يؤكد استمرار ممارسات وتشريعات تفتح المجال للمتابعات على خلفية التعبير أو النشر، بموجب مقتضيات القانون الجنائي بدل قانون الصحافة والنشر.

واعتبر التقرير أنه لا يمكن أن تتحول الصحافة إلى ممارسة محفوفة بالخوف من المتابعة، ولا يمكن أن يؤدي القانون إلى إضعاف جوهر الحق الذي يفترض أن يحميه، داعيا إلى مراجعة المنظومة الجنائية بما يضمن عدم تجريم التعبير السلمي عن الرأي، وتعزيز استقلال القضاء، وضمان الحق الفعلي في الوصول إلى المعلومات، وخلق بيئة تشريعية ومؤسساتية تجعل من حرية التعبير والصحافة ركيزة للمساءلة الديمقراطية.

وبدورها، تعيش حرية الاجتماع والتجمهر والتظاهر السلمي وتأسيس الجمعيات، حالة من التناقض بين النص الدستوري والممارسة التي أظهرت استمرار مظاهر المنع والتقييد، ودعت العصبة إلى الانتقال من منطق الضبط الأمني إلى منطق الحماية الدستورية للحقوق والحريات، واحترام الاحتجاج، وحق التنظيم بتسليم وصولات الإيداع، ووقف عرقلة عمل الجمعيات.

فشل تحويل الحقوق الاجتماعية إلى سياسات

وبخصوص الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المضمنة في الدستور، اعتبرت العصبة أن أحد أكبر التحديات التي تواجه التجربة الدستورية، هو كيفية تحويل الحقوق الاجتماعية من إعلان دستوري إلى سياسات عمومية قابلة للقياس والتقييم؛ فالحق في الصحة، والحق في التعليم، والحق في الشغل، والحق في الحماية الاجتماعية، والحق في السكن، والعدالة المجالية، هي حقوق ينبغي أن يكون المواطن قادراً على التمتع بها بصورة فعلية ومتساوية.

وأكدت العصبة أنه لا يمكن الحديث عن دولة اجتماعية حقيقية إذا ظلت الفوارق الاجتماعية والمجالية، والبطالة، والهشاشة، والعمل غير المهيكل، وضعف الولوج المتكافئ إلى الخدمات الأساسية، قائمة باعتبارها اختلالات بنيوية.

اختلال السلط وعدم إنصاف المواطن

ورغم التنصيص الدستوري على مبدأ فصل السلط وتوازنها وتعاونها، لاحظ التقرير وجود اختلال في التوازن بين السلط. وقد أثارت الممارسة خلال السنوات الماضية أسئلة جدية حول مدى فعالية الرقابة البرلمانية، وحول قدرة المؤسسة التشريعية على ممارسة اختصاصاتها كاملة، وحول حدود المسؤولية السياسية للحكومة عن عدد من السياسات العمومية والاختيارات ذات الصلة المباشرة بحقوق المواطنين، ما أدى في بعض الملفات، إلى صعوبة تحديد المسؤولية السياسية والمؤسساتية، وهو ما يمس جوهر مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

أما فيما يخص استقلال القضاء، فقد سجلت العصبة بقلق إشكالية عدم تنفيذ بعض الأحكام القضائية النهائية الصادرة ضد الإدارة، معتبرة أنه لا يمكن الحديث عن سيادة القانون إذا كان المواطن يحصل على حكم قضائي ثم يجد نفسه عاجزاً عن تنفيذه في مواجهة الإدارة.

ونبه التقرير إلى اتساع دائرة الإحساس الشعبي بعدم الإنصاف، وقصور الأحكام في تحقيق العدالة، وهو شعور من المفترض الوقوف أمامه وقفة طويلة، لأن تداعياته إذا استمرت في الاتساع، خاصة على المدى المتوسط والبعيد، قد تهدد الأمن القضائي والاستقرار والطمأنينة.

مؤسسات حكامة غير مؤثرة

أما فيما يخص مؤسسات الحكامة التي نص عليها الدستور، فقد لفت التقرير إلى أن المشكلة لا تكمن دائماً في غياب المؤسسات، وإنما في محدودية استقلاليتها، وضعف الأثر الإلزامي لبعض توصياتها وتقاريرها، ومحدودية قدرتها على التأثير في السياسات العمومية.

وتوقف على أن المغرب في طريق الممارسة الدستورية، سقط سقطات عدم الالتزام بتشكيل عدد من المؤسسات التي أمر الدستور بتشكيلها، برغم الصدور المتأخر لقوانينها التنظيمية.

واعتبر التقرير أن هناك حاجة إلى مؤسسات للحكامة مستقلة وفعالة ومؤثرة، لا إلى مؤسسات تكتفي بإنتاج التقارير دون أن تجد توصياتها طريقها إلى التنفيذ.

توصيات بوقف التراجعات والإفراج عن المعتقلين

وقدم التقرير مجموعة من التوصيات، تستهدف أساسا وقف مظاهر التراجع الحقوقي وتعزيز الثقة في المؤسسات، ومراجعة القوانين التنظيمية والقانون الجنائي وقانون المسطرة الجنائية والقوانين المنظمة للجمعيات والتجمعات، واستكمال ملاءمة التشريع الوطني مع الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، وتعزيز استقلال القضاء، وتيسير الدفع بعدم الدستورية، وتقوية المحكمة الدستورية وهيئات الحكامة.

وأوصت العصبة، لالإفراج عن المعتقلين على خلفية ممارسة حقوقهم في التعبير أو الاحتجاج السلمي، خاصة معتقلي حراك الريف ومعتقلي شباب زد، ووقف التضييق على الجمعيات، وضمان تنفيذ الأحكام القضائية، والحد من التوسع في الاعتقال الاحتياطي، ومراجعة ممارسات تدبير الاحتجاجات، وتعزيز حماية الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان.

وشددت على ضرورة القيام بإصلاحات هيكلية، تتجاوز معالجة الاختلالات الجزئية إلى إعادة التفكير في عدد من الجوانب المؤسساتية والدستورية التي أظهر التطبيق العملي الحاجة إلى تطويرها، بما يعزز التوازن بين السلط، والرقابة البرلمانية، والديمقراطية التشاركية، واستقلال القضاء، وفعالية هيئات الحكامة، وترسيخ المقاربة الحقوقية في السياسات العمومية.

اقرأ المقال كاملاً على لكم