تقرير: “أحداث سبتة” التقت فيها هشاشة اقتصادية واجتماعية متراكمة مع شائعة رقمية وفراغ في الوساطة
اعتبر تقرير نشره المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة بعنوان “أزمة سبتة والشباب المغربي”، أن أحداث الهجرة الجماعية لا يمكن اختزالها في «مؤامرة» مفترضة، ولا في انفلاتٍ حدوديٍّ عابر، ولا في حكمٍ أخلاقيٍّ على الشباب، فهي واقعة كاشفة التقت فيها هشاشةٌ اقتصادية واجتماعية متراكمة، وشائعةٌ رقمية، وفراغٌ في الوساطة، وفجوةٌ بين الاستباق الأمني المعلن والتواصل العمومي.
وأكد التقرير أن الاختبار التالي هو تحويل الرصيد الاقتصادي الذي راكمه المغرب إلى عملٍ منتج، وكرامةٍ مهنية، وثقةٍ قابلةٍ للقياس في إمكان التقدم داخل البلد، مبرزا أن ما حققه الاقتصاد المغربي من تطور لم ينعكس على الإنسان، ولم تتم ترجمته اجتماعيا.
وقال التقرير إن الشائعة شرارة وليست سبباً كافياً لما حدث، وقد ضاعفت فجوة التواصل العمومي أثرها، خصوصا مع انتشار رسائل توحي بإمكان دخول سبتة والانتقال سريعاً إلى إسبانيا، واستعمال حكم قضائي إسباني وبرنامج تسوية استثنائي خارج سياقهما القانوني.
وأبرز المركز أن أرقام البطالة ومشاكل الشغل والتعليم، وإعدام موارد دخل الكثير من الأسر دون تعويض أو بديل عادل، خاصة فيما يتعلق بالقطاع غير المهيكل…، كلها تفسر لماذا وجدت الشائعة فضاء محلياً سريع الاشتعال، على تماس يومي مع تفاوت مرئي عبر الحدود.
ورفض التقرير اختزال الضحايا في أرقام، لافتا إلى أن خلف كل رقم شخص له اسم وأسرة تنتظر، وحق في معرفة مصيره. وشدد على أن الحدود تبدأ قبل السياج؛ في المدرسة، وسوق الشغل، والوساطة، والثقة.
وقال المركز إن “ما جرى ليس أزمة حدودٍ فقط؛ إنه إنذارٌ بأن الحكومة، حين لا تُشعر الإنسان بقيمته في الحياة، ولا تُظهر قيمة فقده عند المأساة، تترك فراغًا تستطيع المنصة أن تحوِّله من شعورٍ فرديٍّ مبعثر إلى حركةٍ جماعية، ثم يستطيع التنافس الجيوسياسي أن يعيد تفسيرها وفق مصالحه”.
ونبه ذات المصدر إلى أنه من الخطأ اختزال المشاركين في صورةٍ واحدة؛ فقد أظهرت المقابلات أشخاصًا لهم أعمال في المخابز والموانئ والخدمات، إلى جانب عاطلين وقاصرين. ما يعني ذلك أن الدافع لا يساوي الفقر المطلق؛ فقد يكون فارق الأجر، أو ضعف الترقي، أو هشاشة العمل، أو الخوف من المستقبل، أو عدوى المجموعة، دافعا، وهو ما يبين أن الأزمة متعددة الأسباب، ولذلك تحتاج إلى سياسة متعددة الأدوات.
وأضاف “لا يمكن اختزال مأساة سبتة في جملة «الشباب لا يريد العمل»، ولا في «الدولة مسؤولة عن كل شيء»، ولا في «قوة خارجية حرَّكت الجميع». كل واحدة من هذه الجمل تمسك جزءًا وتضيّع النظام كاملا”.
وتوقف التقرير على مستوى البطالة المرتفع في منطقة الفنيدق، خاصة في صفوف الشباب، وعلى الاستطلاعات التي تكشف الرغبة الكبيرة في الهجرة، مؤكدا أن المغرب لا يستغل “القنبلة الشبابية” رغم أنه يتوجه نحو الشيخوخة، خاصة مع وجود حوالي 3 ملايين شاب خارج التعليم والتكوين والعمل.
واقترحت الورقة عقدا مؤسساتيا معلنا تقوده الحكومة بتكليف واضح، وتعرض نتائجه دوريا على البرلمان، يتضمن 5 أهداف محدودة، أولها “كرامة الإنسان والحقيقة عند الأزمة”، ثم “الخروج المستدام من وضعية الشباب خارج التعليم والشغل”، و”رفع المشاركة الاقتصادية للنساء”، وضمان “وظيفة أولى ذات جودة”، ثم “مرونة ترابية ومعلوماتية” بتقليص فجوة في المجالات الهشة.
وخلص التقرير إلى التأكيد على أن المغرب حقق مكاسب يصعب إنكارها؛ استقرارًا، وصناعةً، وبنيةً تحتيةً، وحمايةً اجتماعيةً، وقدرةً على تنفيذ مشاريع كبرى. لكن اللحظة كشفت أن الرصيد الكلي لم يصبح بعد، بالنسبة إلى عدد واسع من الشباب، مسارًا فرديًا واضحًا. فما يزال الانتقال من المدرسة إلى العمل متقطعًا، والعمل غير المهيكل واسعًا، والمشاركة ضعيفة، والوساطة المحلية هشة، ومعلومة المنصة أسرع من المؤسسة.
وفيما يخص بلاغ وزارة الداخلية بتاريخ 2 غشت، اعتبر المركز أنه أخرج الرواية المغربية من الصمت المركزي إلى رقم، وتفسير، وإعلان عن التحقق والأبحاث القضائية. غير أن قيمته الكاملة ستقاس بما يليه؛ أي بمطابقة الحصيلة المغربية المنشورة بالأرقام الإسبانية المنقولة، وتحديد الهويات، والوصول إلى الأسر، ونشر نتائج التحقيق، وتحويل الدرس إلى بروتوكول وقائي قابل للتطبيق.