تقرير: أكثر من 16 مليون مغربي خارج المشاركة الانتخابية وسط أزمة ثقة متواصلة في العملية السياسية

“لاش انصوتو؟”.. عبارة باتت، وفق تقرير بحثي جديد، تعكس موقف شريحة واسعة من المغاربة الذين يمتنعون عن التصويت أو لا يسجلون أنفسهم أصلاً في اللوائح الانتخابية، أو يسجلون دون أن يدلوا بأصواتهم

ويعزو كثير منهم هذا العزوف إلى تعاقب الحكومات والسياسات العمومية ذاتها، واستمرار الاختلالات المرتبطة بتشريع القوانين، ورفع الدعم عن عدد من المواد، وتراجع القدرة الشرائية، وارتفاع أسعار السكن والعقار والخدمات الصحية والأدوية، إلى جانب تفاقم البطالة وضعف فرص الشغل.

 

وفي كل استحقاق تشريعي بالمغرب، يفرز الاقتراع حزباً متصدراً للمشهد البرلماني، غير أن القوة السياسية الأكبر، بحسب تقرير استراتيجي جديد صادر عن المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، ليست حزباً سياسياً، بل كتلة الممتنعين عن التصويت. ويحمل التقرير عنوان: “المشهد الحزبي والانتخابي بالمغرب: أزمة الوساطة، والفئة الصامتة، ورهانات الديمقراطية الحديثة في أفق 2035”.

أكثر من 16 مليون ناخب خارج العملية الانتخابية

ويكشف التقرير أن المغرب يضم نحو 25.23 مليون مواطن بلغوا سن التصويت، في حين لا يتجاوز عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية 17.51 مليوناً، أي ما يعادل 69.4 في المائة من مجموع المؤهلين. وعند احتساب من شاركوا فعلياً في انتخابات 2021، ينخفض العدد إلى نحو 8.8 ملايين ناخب، بما يمثل 34.9 في المائة فقط من إجمالي من يحق لهم التصويت.

وبذلك، يقدر التقرير عدد المغاربة المؤهلين للتصويت الذين ظلوا خارج العملية الانتخابية بأكثر من 16.4 مليون شخص، سواء بسبب عدم التسجيل أو الامتناع عن التصويت بعد التسجيل. ويرى معدو التقرير أن هذه الفئة تمثل المجال الحقيقي لأي إصلاح انتخابي، معتبرين أن نسبة المشاركة الرسمية البالغة 50.35 في المائة في انتخابات 2021، والمحتسبة على أساس عدد المسجلين، لا تعكس الحجم الفعلي للعزوف الانتخابي.

مسار تراجعي للمشاركة منذ سبعينيات القرن الماضي

ويرى التقرير أن العزوف الانتخابي ليس ظاهرة ظرفية، بل نتيجة مسار تراكمي امتد على مدى عقود. فبعد أن بلغت نسبة المشاركة نحو 85 في المائة سنة 1970، تراجعت إلى 67.4 في المائة سنة 1984، ثم إلى 58.3 في المائة سنة 1997، و51.6 في المائة سنة 2002، قبل أن تبلغ أدنى مستوياتها عند 37 في المائة في انتخابات 2007.

ورغم تسجيل نسب مشاركة بلغت 45.4 في المائة سنة 2011، و43 في المائة سنة 2016، ثم 50.35 في المائة سنة 2021، يحذر التقرير من اعتبار هذا الارتفاع مؤشراً على استعادة ثقة الناخبين، معتبراً أنه ارتبط أساساً بإعادة تشكيل الخريطة الحزبية أكثر مما عكس تحسناً في علاقة المواطنين بالعملية الانتخابية.

ويصف التقرير انتخابات 2007 بأنها المحطة الأكثر دلالة في هذا المسار، لأن الانخفاض الحاد في المشاركة جاء خلال مرحلة اتسمت بانفتاح سياسي نسبي، ما يشير، بحسب معديه، إلى أن توسيع هامش الحريات وحده لا يكفي لتحفيز المشاركة في غياب عرض سياسي قادر على استعادة ثقة الناخبين.

تقلبات انتخابية تعكس أزمة ثقة

ويرصد التقرير، إلى جانب العزوف، ما يصفه بتقلبات انتخابية حادة بين الدورات التشريعية، مستشهداً بتراجع تمثيلية أحد الأحزاب من 125 مقعداً في انتخابات 2016 إلى 13 مقعداً فقط في انتخابات 2021، مقابل تضاعف تمثيلية حزب آخر بنحو ثلاثة أضعاف.

ويشير التقرير إلى أن جزءاً من هذا التحول يعود إلى تعديل طريقة احتساب القاسم الانتخابي في انتخابات 2021، بعدما أصبح يعتمد عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية بدلاً من الأصوات الصحيحة المعبر عنها، وهو ما أدى إلى إعادة توزيع المقاعد لفائدة الأحزاب الأصغر. إلا أن التقرير يعتبر أن هذا العامل لا يفسر وحده حجم التغير، ويرى أن النتائج تعكس أيضاً تصويتاً عقابياً ظرفياً أكثر مما تعبر عن ارتباط سياسي مستقر بين الناخبين والأحزاب.

ويستند التقرير كذلك إلى نتائج “الباروميتر العربي” (الموجة الثامنة 2023-2024)، التي تشير إلى أن نسبة الثقة في الأحزاب السياسية لا تتجاوز 18 في المائة، مقابل 38 في المائة للبرلمان و33 في المائة للحكومة، فيما تحظى مؤسسات أخرى، من بينها القضاء، بنسبة ثقة تقارب 74 في المائة.

ويؤكد التقرير أن هذه المؤشرات، رغم ارتباطها بمنهجيات استطلاعات الرأي، تتقاطع مع مستويات المشاركة الانتخابية، وتعزز فرضية أن الأزمة الأساسية تكمن في تراجع وظيفة الوساطة التي يفترض أن تضطلع بها الأحزاب بين المجتمع والدولة.

البطالة والأوضاع الاقتصادية

ولا يفصل التقرير بين الأزمة السياسية والظروف الاقتصادية، مشيراً إلى أن معدل البطالة الوطني البالغ 13 في المائة يخفي تفاوتات أكبر، إذ يصل إلى 37.2 في المائة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، وإلى 19.1 في المائة بين حاملي الشهادات.

ويرى معدو التقرير أن هذه المؤشرات تعكس اختلالاً في ملاءمة التكوين مع حاجيات سوق الشغل، وتغذي شعوراً بتعطل آليات الارتقاء الاجتماعي، وهو ما ينعكس، بحسب التقرير، في ارتفاع مستويات العزوف السياسي لدى الفئات الأكثر تعليماً.

تقدم في تمثيلية النساء وتحول في مشاركة الشباب

ورغم الصورة العامة التي يرسمها التقرير، فإنه يسجل ما يصفه بأبرز المؤشرات الإيجابية، والمتمثلة في ارتفاع تمثيلية النساء داخل مجلس النواب من 10 في المائة سنة 2002، بما يعادل 35 مقعداً، إلى 24.3 في المائة سنة 2021، أي 96 مقعداً.

ويعتبر التقرير أن هذا التطور يعكس أثر الإصلاحات المؤسسية عندما تقترن بإرادة سياسية واضحة، مع الإشارة إلى أن مستوى تمثيلية النساء لا يزال دون هدف المناصفة، وأن الفجوة بين الحضور العددي والتأثير في مواقع القرار ما زالت قائمة.

كما يذهب التقرير إلى أن الشباب المغربي لم يعزف عن الاهتمام بالشأن العام، بقدر ما انتقل إلى فضاءات جديدة للتعبير، خاصة عبر المنصات الرقمية، حيث تبرز قضايا التشغيل والتعليم والعدالة الاجتماعية خارج الأطر الحزبية التقليدية.

توصيات لتعزيز المشاركة بحلول 2035

ويخلص التقرير إلى أن استعادة ثقة ما يسميه بـ”الفئة الصامتة” تتطلب إصلاحاً يتجاوز الحملات التواصلية التي تسبق الانتخابات، عبر تجديد الحياة الحزبية من الداخل، وتعزيز الديمقراطية الداخلية، وتجديد النخب، وصياغة عرض سياسي واقتصادي أكثر قدرة على الاستجابة لتطلعات المواطنين.

ويضع التقرير هدفاً يتمثل في رفع نسبة المشاركة الانتخابية إلى 65 في المائة، وخفض حجم “الفئة الصامتة” إلى 40 في المائة بحلول عام 2035، محذراً من أن غياب مؤشرات سنوية شفافة لقياس مستويات الثقة والمشاركة سيجعل تقييم أي إصلاحات مستقبلية أمراً بالغ الصعوبة.

اقرأ المقال كاملاً على لكم