تقرير أممي: المغرب ضمن الدول ذات التوفر المنخفض لبيانات ونماذج الذكاء الاصطناعي باللغة الأم
وفقا للتقرير التمهيدي الصادر في أواخر يوليوز 2026 عن اللجنة العلمية الدولية المستقلة المعنية بالذكاء الاصطناعي التابعة للأمم المتحدة، يندرج المغرب ضمن الدول التي تسجل مستويات منخفضة نسبيا من حيث توفر بيانات ونماذج الذكاء الاصطناعي باللغات المحلية.
وتُظهر الخريطة المخصصة لقياس “توفر بيانات ونماذج الذكاء الاصطناعي حسب اللغة الأم الغالبة في كل بلد”، أن المملكة صُنفت ضمن الفئة ذات الدرجات اللونية الفاتحة، القريبة من الحد الأدنى لمقياس التوفر الذي يتراوح بين 0.02 و0.89، خلافا لأمريكا الشمالية وأوروبا الغربية وأستراليا التي سجلت أعلى مستويات التوفر.
ويستند هذا المؤشر إلى قياس مدى توفر بيانات ونماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة باللغة الأم الأكثر انتشارا في كل بلد على منصة Hugging Face أما اللغات المشتركة بين عدة دول، مثل العربية والفرنسية والإسبانية، فلا تُنسب إلى أي دولة إلا إذا كانت اللغة الأم لما لا يقل عن نصف سكانها، وهو المعيار الذي اعتمد في إعداد التصنيف.
كما يؤكد التقرير أن أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية لا تخدم سوى جزء محدود من لغات وثقافات العالم، رغم أن أكثر من 7 آلاف لغة منطوقة عالميا، في حين لا تتوفر سوى مجموعة صغيرة منها على بنية تحتية كافية من حيث التدريب والتقييم.
ويسجل في المقابل أن ما يقدر بأكثر من ألف لغة تتوفر بالفعل على الأسس الاجتماعية والاقتصادية والرقمية والبيانية اللازمة لإدماجها بشكل فعلي في أنظمة الذكاء الاصطناعي، لكنها تبقى غير مستغلة، الأمر الذي يستدعي، بحسب اللجنة، استثمارات موجهة ومجموعات بيانات عمومية ومبادرات قياس مرجعية لفائدة السياقات اللغوية والثقافية غير الممثلة بشكل كاف.
ويندرج وضع المغرب اللغوي، كما تعكسه الخريطة، ضمن إشكالية أوسع يعالجها التقرير تحت عنوان الفجوة العالمية في الذكاء الاصطناعي، والتي يوضح واضعوه أنها لا تقتصر على النفاذ إلى التكنولوجيا، بل تشمل أيضا القدرة على التأثير في تطويرها.
ويورد التقرير في هذا الصدد أن قاعدة الأدلة العلمية المتعلقة بتأثيرات الذكاء الاصطناعي لا تزال مركزة بشكل كبير في السياقات الناطقة بالإنجليزية وذات الدخل المرتفع، في حين تبقى الدراسات الاقتصادية منحازة نحو الاقتصادات المتقدمة والشركات الكبرى والعمل الرسمي، وهو ما يجعل السياسات المبنية على هذه الأدلة قد لا تنطبق على واقع ثلثي العمال في العالم.
ويشير التقرير كذلك إلى أن البنية التحتية لتقييم الذكاء الاصطناعي، من حيث اللغة والجغرافيا، لا تزال مركزة في عدد محدود من الدول، وأن استخدام أنظمة متحيزة أو غير مختبرة بشكل كاف يمكن أن يكرس عدم المساواة القائمة.
ويورد مثالا دالا على مخاطر ضعف التوطين اللغوي، وإن لم يتعلق مباشرة بالمغرب، يتمثل في لغة التغرينية المحكية في إريتريا وشمال إثيوبيا، حيث أدت الترجمة الآلية إلى تحويل كلمة “الجدري” إلى “الزهري”، و”السيلان” إلى “السكري”، كما تحولت عبارة “تم إعطاؤك مضادات حيوية عن طريق الوريد” إلى “تم إعطاؤك مبيدات حشرية عن طريق الوريد”، وهي أخطاء يصفها التقرير بأنها قد تكون مهددة للحياة.
ويعزز ذلك خلاصة اللجنة العلمية بأن أنظمة الذكاء الاصطناعي غير جاهزة للاستخدام في السياقات عالية الحساسية، كالقطاع الصحي، ما لم يتم تكييفها وضبطها واختبارها بدقة للسياق اللغوي والثقافي المعني، وهو تحذير ينسحب، وفق منطق التقرير نفسه، على البلدان ذات معدلات التوفر اللغوي المنخفضة كما يظهر على الخريطة.
من جهة أخرى، أقرت اللجنة بأن قاعدة الأدلة حول تأثيرات الذكاء الاصطناعي لا تزال غير متكافئة أو غير كافية في عدد من المجالات، وأن التقرير التمهيدي يمثل بداية عمل اللجنة وليس نهايته، على أن تصدر لاحقا إحاطات موضوعية تتناول قضايا محددة، من بينها حوكمة أدوات الذكاء الاصطناعي وتقييم فعاليتها، إضافة إلى إحاطات قطاعية أخرى.
كما صاغ التقرير مفهوم الانقسام الرقمي المرتبط بالذكاء الاصطناعي، والذي يشمل، بحسب اللجنة، أربعة أبعاد مترابطة هي القدرة على البنية التحتية، والقدرة على تكوين الكفاءات، والقدرة على الحوكمة والخدمة العمومية، وقدرة التطبيق.
ويوضح التقرير أن الدول التي تعتمد على نماذج أجنبية وبنية تحتية سحابية وقنوات بيانات خارجية قد تحصل على النفاذ إلى الذكاء الاصطناعي، لكنها تفقد في المقابل السيطرة العملية على معاييره وضماناته وملاءمته المحلية، وهو ما يجعل من الاستثمار في البنية التحتية المحلية للبيانات وتكوين الكفاءات وتطوير تطبيقات مكيفة إقليميا، إلى جانب بناء قدرات الحوكمة الوطنية، عناصر أساسية لسد هذه الفجوة.