تمغربيت والتنوع الثقافي
يحتفل العالم منذ 2002 باليوم العالمي للتنوع الثقافي «بوصفه مصدراً للتبادل والتجديد والإبداع. وهو ضروري للجنس البشري ضرورة التنوع البيولوجي بالنسبة للكائنات الحية. وبهذا المعنى يكون التنوع الثقافي هو التراث المشترك للإنسانية، وينبغي الاعتراف به والتأكيد عليه لصالح الأجيال الحالية والأجيال القادمة». وفي السياق نفسه يؤكد «أن الثقافة ينبغي أن يُنظر إليها بوصفها مجمل السمات المميزة، الروحية والمادية والفكرية والعاطفية، التي يتصف بها مجتمع أو مجموعة اجتماعية وعلى أنها تشمل، إلى جانب الفنون والآداب، وطرائق الحياة، وأساليب العيش معاً، ونظم القيم، والتقاليد، والمعتقدات». بتمعننا في مقررات اليونسكو للتنوع الثقافي نتساءل: هل كان الغرب الذي فرض حضارته في العصر الحديث يؤمن بالتنوع الثقافي، وهو الذي فرض لغته وثقافته على الشعوب المستعمرة؟ وهل الصهيونية وهي تمارس الإبادة الجماعية والتطهير العرقي تؤمن بالتنوع الثقافي؟
ما علاقة «تمغربيت» بالتنوع الثقافي كما يروج لها دعاة الفتنة في المغرب؟ وهم في ذلك يستعيدون، من جهة، دور الاستعمار الذي عمل على التفريق بين العرب والأمازيغ من خلال «الظهير البربري» بهدف إقصاء العربية والإسلام، ونشر اللغة والثقافة الفرنسية، ومن جهة ثانية ما تقوم به الصهيونية اليوم من أجل تثبيت وجودها الاستيطاني، والتفرقة بين الشعوب العربية والإسلامية لإبقاء هيمنتها على المنطقة. إن استعادة محتوى الاستعمار ومضمون الصهيونية يصب في مجرى واحد مزدوج: التصدي للعروبة والإسلام، من جهة، ومن جهة ثانية، عزل المغرب عن جذوره التي تشكلت منذ اثني عشر قرنا والتي تمت خلالها مع انتشار الإسلام والعربية القطيعة المطلقة مع كانت تعرفه المنطقة برمتها تحت النفوذ البيزنطي، وذلك عن طريق انصهار واندماج العرب مع سكان المنطقة في كل الشمال الأفريقي. فساهم الجميع في تشكيل مجتمع جديد على أساس دين جامع، ولغة مشتركة عملوا جميعا بمقتضاها على تشييد دول لها مقوماتها وخصوصيتها التاريخية.
إن منتحلي «تمغربيت» لا يؤمنون بالتنوع الثقافي، ولا يتقيدون بالدستور المغربي (2011)، وإن ظلوا يتخذونه مطية لاستغلال ما يؤكد عليه حقيقة من تنوع واقعي وتاريخي لإقصاء مقومات هويته الوطنية الجامعة، بالتركيز على مقوم إثني (أمازيغي ـ يهودي) يرونه أساس «الخصوصية المغربية» التي صارت مختزلة في تعبير جديد (تمغربيت) والتي صارت توظف لتقديم «سردية» متوهمة لا أساس لها في الواقع.
تنطلق هذه «السردية» من تاريخ ما قبل الإسلام في المنطقة، فترى أن وجود الأمازيغية واليهودية قبل الفتح الإسلامي. أي أنهما الأصل، والمقوم العربي والإسلامي لاحق، وليس سوى فرع. وبالاحتكام إلى التاريخ ما قبل الإسلامي، كان اللجوء إلى الأركيولوجيا، والجينيالوجيا لإثبات الهوية الأصلية للمغرب، وللشمال الأفريقي أيضا. وتبعا لذلك اعتمد التاريخ ليعتبر الفتح العربي الإسلامي غزوا للمنطقة، وأن العرب الذين دخلوا المنطقة فئة قليلة جدا لتأكيد أن العنصر الأمازيغي هو أساس كل شيء. فلا وجود للعرب في المغرب، وكل ما قدموه حضاريا لا علاقة له بالعرب. وكل ما هو عربي دخيل. بل هناك من يطالب العرب بالرجوع إلى الجزيرة العربية! هذا هو محتوى تمغربيت كما يروجون له منذ عقود.
صارت كلمة «عربي» وفق التصور «التمغربيتي» ذي الأصول المورية مقرفة ومزعجة، تماما كما هو الحال في إسرائيل. وحتى كلمة «المغرب العربي» استبدلوها بالكبير كي لا ينطق بكلمة عربي. لا أعارض كلمة الكبير لأنها دالة على التخبط والتيه والتفرقة. لكن كلمة العربي فارضة نفسها بالقوة وبالفعل في اللغة والثقافة التي يكتب ويتواصل بها المغاربة في كل شمال أفريقيا، وهي عربية أعرابية أصيلة، والعالم يعترف بها. وهي جزء من الثقافة العربية القديمة والحديثة ذات الامتداد في المشرق والمغرب معا. يشددون في «تمغربيت» على المكون الأمازيغي والأفريقي والمتوسطي، ويهملون بكل ما يتصل بالعربية والإسلام زاعمين أنهما مرتبطان بـ«المشرق»، وهم لا علاقة لهم بالمشرق.
تبدو تمغربيت عند هذه الفئة من أشباه المثقفين بارزة في هجومهم على العربية والإسلام والتاريخ المغربي، ويحاولون استعادة الأسطر القليلة عن تاريخ ما قبل الإسلام لـ«كتابة» تاريخ «الحضارة» المورية لكنهم لا يجدون ما يتشبثون به سوى أخبار لا قيمة لها. فيتحولون إلى التاريخ المغربي متأولينه حسب مزاعمهم التافهة، والتي لا تصمد أمام النقد. أسميت هؤلاء بأشباه المثقفين لأنهم يكتفون بالترويج للأضاليل من خلال وسائل التواصل الاجتماعي. أما الشعب المغربي قاطبة فحين يتحدث عن نفسه يقول «احنا المغاربة». وفي هذا تأكيد، كما نجده حتى في «تمغربيت»، على ما يدل عليه الجذر (المغرب) ذي الهوية المغربية الأصيلة التي تكونت خلال اثني عشر قرنا متصلة بمشرقها. إن المغرب ليس عشيرة أو قبيلة، إنه فضاء واسع وله اتصال لغوي وديني بالمشرق. إنه طرفه الأقصى، ولقد فرض عليه التاريخ والجغرافيا أن يشكل خصوصيته زمانيا منذ الدولة الإدريسية التي كانت فاتحة تاريخ جديد: أسس مدينة، وتبنى لغة ودينا صارا لكل المغاربة. وفي تاريخه ظلت صلاته بالأندلس وأفريقيا قائمة حسب التحولات التاريخية. فكانت علاقاته الثقافية مع الأندلس مثل علاقته بالثقافة المشرقية إلى الآن. أما المكون اليهودي والأمازيغي فلم يتغير وجودهما بسبب الفتح العربي الإسلامي للمغرب. بل على العكس ظل اليهود يحافظون على دينهم ولغتهم، وعاداتهم وكان ذلك دالا على اندماجهم، بصورة متحفظة، في النسيج المغربي. ويمكن قول الشيء نفسه عن الأمازيغ: لم تحارب أي لهجة، ولم يتم اتخاذ أي موقف ضد عاداتهم وتقاليهم وتراثهم الشفاهي. لقد تمزغت قبائل وتعربت أخرى، وظل التعايش والتزاوج قائما بين كل المغاربة الذين وحدت بينهم اللغة والدين والوطن. فكانت مساهماتهم جميعا في بناء المغرب والحفاظ عليه من الإسبان والبرتغاليين والاستعمار دليلا على الهوية الوطنية التي تجمع بينهم. ولكل قبيلة أيا كان أصلها أو لهجاتها عاداتها وتراثها الشفاهي. هذا هو مصدر غنى وتنوع الثقافة المغربية وتعددها. إنها تشترك مع الثقافة العربية في المشرق، ولكنها تحافظ على خصوصيتها المتصلة بعموم حضارة ذات بعد إنساني وعالمي. وهذا ما جاء دستور المملكة في 2011 ليثمنه ويؤكده: «المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة كاملة، متشبثة بوحدتها الوطنية والترابية، وبصيانة تلاحم وتنوع مقومات هويتها الوطنية، الموحدة بانصهار كل مكوناتها: العربية – الإسلامية، والأمازيغية، والصحراوية الحسانية، والغنية بروافدها الأفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية». إنه تجسيد للهوية الثقافية التاريخية المغربية الجامعة المانعة، والتي يتبوأ فيها «الدين الإسلامي مكانة الصدارة فيها، وذلك في ظل تشبث الشعب المغربي بقيم الانفتاح والاعتدال والتسامح والحوار، والتفاهم المتبادل بين الثقافات والحضارات الإنسانية جمعاء».
إن المغرب بلد التنوع الثقافي بامتياز في كل تاريخه إلى اليوم. لم يتأسس على الإقصاء والتهميش المتعمد المبني على خلفية إيديولوجية أو عنصرية. إنه بلد التعايش والتسامح منذ زمان، وليس كما بدأ يكتشفه اليوم بعضهم، بالتركيز على المكون الأمازيغي في الهوية المغربية، والرافد الأفريقي والأندلسي والعبري والمتوسطي، باختزال المغرب في مكون وعدة روافد. فهل من يهاجم المكون العربي ـ الإسلامي يؤمن بالتنوع الثقافي؟ هل العرب يهاجمون الأمازيغية أو اليهودية؟ إن الموقف الثقافي المغربي ليس ضد اللغة أو الثقافة الأمازيغية أو اليهودية. إنه ضد استعمالهما ضد المغرب المتنوع والذي يشكل جزءا من العالم العربي والإسلامي. هذا هو الفرق بين الموقفين. وإذا كان الموقف المعادي للعروبة والإسلام يشترك فيه العرب والأمازيغ واليهود الأحرار، كان الموقف «الأمازيغوي» يوحد بين من ظل يخدم ويروج لدعاوى الاستعمار قديما والصهيونية اليوم.
التنوع الثقافي دال على التعايش والتبادل والتجديد والإبداع، وهو اعتراف بالآخر بالمختلف. وهو لا يتأسس بالنزعات العنصرية والتطهيرية، ولكن بالإيمان به، وخدمته. لو أن أصحاب تمغربيت يخدمون الثقافة واللغة الأمازيغية لقلنا لهم: أنتم مغاربة أحرار كأجدادكم. أما وهم يكتفون بمحاربة اللغة والثقافة العربية والتاريخ الإسلامي فليسوا سوى تابعين لمن يهمه زرع الفتنة والتفرقة بين المغاربة، وفصلهم عن تراثهم الحضاري ذي البعد الإنساني والعالمي. Voir moins