تناقضات أميركية في شمال إفريقيا

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

في الوقت الذي يشدد فيه الاتحاد الأوروبي من تضييقاته على الهجرة من شمال إفريقيا، تتخذ الولايات المتحدة إجراءات مماثلة في تناقض مع سعيها لتعزيز علاقاتها بالمنطقة.

منذ وصول الجمهوريين إلى البيت الأبيض تتالت، أكثر من أي وقت مضى، التدابير الاحترازية المتخذة من قبل الإدارة الأميركية على صعيد الإقامة والهجرة تجاه مواطني دول شمال إفريقيا.

كان هناك من جملة التدابير قرار في كانون الثاني/يناير الماضي بغلق الباب تماماً أمام طلبات الهجرة الدائمة من عدة دول من بينها الجزائر والمغرب وتونس ومصر. كما فرضت واشنطن منذ السنة الماضية شرط دفع ضمان مالي يراوح بين 5 آلاف و15 ألف دولار على طالبي التأشيرات السياحية من بين مواطني تونس والجزائر وموريتانيا. وحسب تقارير صحفية صدرت الشهر الماضي تنوي واشنطن تقليص مصالحها القنصلية المؤهلة لتلقي طلبات التأشيرة في القارة الأفريقية إلى عشرين مركزاً إقليمياً كلها جنوب الصحراء.

تضاربت ردود الفعل بخصوص هذا الإجراء وإن لم تصدر بشأنه حتى الآن توضيحات رسمية. فقد استبعد البعض تطبيقه الفعلي على دول شمال أفريقيا في حين تحدث آخرون عن "مخاوف واسعة" من الانعكاسات التي ستنجر عن دخوله حيز التنفيذ.

استهدفت التضييقات المتتالية قبل غيرهم الرعايا الليبيين، إذ فرضت الإدارة الأميركية ما يشبه الحظر الكامل على السفر والهجرة نحو أميركا بالنسبة لليبيين الذين بدأ الطوق الأميركي يضيق حولهم منذ أدرج البيت الأبيض بلادهم السنة الماضية ضمن قائمة تشمل 12 دولة تشعر إزاءها واشنطن بجملة من المخاوف الأمنية.

اللافت أن هذه التضييقات تسير في اتجاه معاكس للجهود التي تبذلها الإدارة نفسها لتعزيز تعاونها مع بلدان المنطقة في المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية وغيرها، بشكل يرتقي في عديد الحالات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية.

وتبدو المفارقة صارخة خاصة في ليبيا. ففي الوقت الذي تعزل فيه الإجراءات الليبيين عن أميركا تبذل واشنطن جهوداً ديبلوماسية مكثفة مع كل الفرقاء الليبيين من أجل تسريع مسار توحيد السلطتين في شرقي البلاد وغربها، وتوسيع التعاون العسكري وتعزيز دور الشركات النفطية الأميركية في البلاد.

قد تجد هذه التضييقات تفسيراً لها في السياسة الانتقائية التي تنتهجها إدارة الرئيس ترامب، من منطلق "الأمن القومي" ومصلحة "أميركا أولاً"، للحد من هجرة وإقامة مواطني بلدان أفريقيا والعالم الثالث.

لكن التضييقات التي فرضتها أو تنوي فرضها واشنطن على الهجرة وتأشيرات الدخول للتراب الأميركي لا يمكن إلا أن تلقي بظلالها على مناخ علاقاتها مع شمال أفريقيا.

فهي سوف تلحق ضرراً ملموساً ببرامج التبادل الجامعي والتعاون العلمي مع شمال أفريقيا، وهي برامج تحتوي على منافع للولايات المتحدة كما لبلدان المنطقة.

كل هذه الإجراءات لا تخدم سمعة الولايات المتحدة في هذه البلدان، وهي سمعة تقول كل الاستطلاعات إنها تدهورت منذ حرب غزة وما تلاها من أحداث. قد لا تكون الإدارة الحالية مهتمة كثيراً بسمعتها ولا بتعزيز قوتها الناعمة مركزة بعكس ذلك على القوة العسكرية والضغوطات الاقتصادية لتحقيق أهدافها في الخارج. ولكن ليس هناك دولة في العالم مهما بلغت قوتها العسكرية والاقتصادية يمكن أن تتغافل عن انحسار تأثيرها السياسي أو تقلص المساندة الشعبية لمواقفها في العالم.

ولا يمكن لواشنطن أن تغفل عن القيمة الاستراتيجية والرمزية لعلاقاتها مع شمال إفريقيا.

وقد سلط احتفال الولايات المتحدة بالذكرى الـ250 لاستقلالها الضوء على الروابط التاريخية بين واشنطن ودول المغرب العربي، وخاصة منها المملكة المغربية التي كانت أول دولة اعترفت بالجمهورية الأميركية الناشئة سنة 1777.

تجنبت عواصم شمال إفريقيا إلى الآن إثارة أي جدل سياسي مع واشنطن بخصوص إجراءات الهجرة والإقامة التي تمس مواطنيها، على أساس أن مثل هذه الإجراءات سيادية وليس لها وقع الإجراءات التي تتخذها أوروبا. كما أنها لا ترغب في أن تعكر أي مسائل خلافية صفو علاقاتها مع واشنطن.

يفهم الجميع في شمال أفريقيا أن واشنطن تتبع سياستين متوازيتين، واحدة لمصالحها الاستراتيجية وثانية للهجرة، على أساس اعتبارات داخلية وخارجية مختلفة. ولكن الجميع يراقب أيضاً بحذر التناقضات التي تحملها هاتان السياستان رغم مسارهما المتوازي.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية