“تهركاويت”.. ذهنية القطيع أم ثقوب في سيكولوجية الجماهير؟
سبق أن استخدم ابن خلدون في “مقدمته” مفهومي “الدهماء” و”الغوغاء” للإشارة إلى الرعاع كمصدر اضطراب داخل العمران، وكنماذج خارجة عن الضبط الاجتماعي. ويشير عالم الاجتماع إميل دوركايم إلى “الأنوميا” (Anomie)، أو حالة غياب المعايير، حين يتفكك النسيج الأخلاقي للمجتمع، ويعجز الفرد عن تحقيق “مكان له تحت الشمس” في ظل بنى اجتماعية تعيق أفق طموحه وتوصمه في زاوية معتمة.
في هذا السياق التشخيصي، ومع الفارق الزمني والتحولات السوسيوثقافية، أطلَّ علينا الفنان حسن الفد بمفهوم جديد/قديم هو “الهركاوي”؛ الشخصية التي لم تفلح التنشئة الاجتماعية في دمج قيم “المواطنة” في بنيتها السلوكية. “الهركاوي” هنا ليس مجرد وافد جديد من الهامش، بل هو تركيبة نفسية وسلوكية معقدة تشي بتمرد كامن على المنظومة الاجتماعية.
يتقاطع هذا التوصيف السوسيولوجي مع المنجز الفني للفد، حيث نعاين الكوميدي يرتدي جلباب “كبور” مخترقا الأنساق والقوالب الفنية التقليدية التي تقدم شخصية “البدوي غير المتمدن” بشكل نمطي ثابت ومبتذل. لقد تمكن إجرائيا وإبداعيا، إلى حد كبير، من خلخلة تصنيفات الشخصية الهامشية في سياقها المغربي المعاصر؛ فهي شخصية تحتال وتراوغ لتفادي الالتزام الاجتماعي، وتتحرك بروح “فهلوية” في تفاعلها مع الآخر كآلية للدفاع، عبر نصب الفخاخ لاصطياد ثغرات الضحايا، مما يمكنها من “السطو الناعم” على نقاط ضعفهم. إنه لا يصطدم بشكل مباشر مع السلطة أو المجتمع، بل يقفز عليهما عبر التلاعب والمراوغة.
ذهبت بعض الآراء إلى قراءة أحادية اختزالية، مفادها أن حسن الفد نفسه يكرس “التهركاويت” من خلال شخصية “كبور”، معرضين عن البعد التفكيكي الساخر لصورته؛ وهو ما يعكس التباساً معرفياً يصل حد التماهي مع مفهوم “الهركاوي”، ويخلط بين ما هو نظري في النسق السوسيولوجي وبين ما هو متجلٍّ في منجز إبداعي داخل نسق فني.
ثمة آراء أخرى ترى أن حسن الفد تفادى الحديث عن “هركاوة” ذوي السلطة، كما لو أن الفنان ملزم بنقد السلطة وفق منظورهم الخاص. وفي المجتمعات الحديثة، ما تزال بقايا وترسبات “التهركاويت” قائمة، غير أن الذي ينأى بنفسه عن سلوك “الهركاوي” قد يتحول طوعاً أو كرهاً -بالمقابل- إلى ذات مطوعة أو “بانوبتيكية” (Panoptique)، كما استعارها ميشيل فوكو من جيريمي بنثام، الذي تخيل سجنا دائريا في مركزه برج للمراقبة، حيث السجين مراقب وعاجز عن رؤية من يراقبه؛ زنزانة بـنافذتين، واحدة تطل على البرج والأخرى على الشارع.
سطوة المراقبة تجعل هؤلاء يتوجسون دائما من العيون التي ترصد تحركاتهم. هكذا تمثل شخصية “الهركاوي” إفرازا حتميا لهشاشة العقد الاجتماعي؛ ففي الوقت الذي تخفق فيه المؤسسات في إدماج الفرد، تتحول هامشيته من مجرد “عجز” إلى “استراتيجية تحايل” تسخر “مكرها اجتماعيا” كآلية للبقاء في المناطق الرمادية.
مقابل “الهركاوي”، نجد مجموعة من المثقفين ترزح تحت وطأة “برج المراقبة” في تصدٍ لمأزق سلطة الضبط حفاظا على تماسك المنظومة، أو ممارسة دورها “التفكيكي” بالانتقال من توصيف ما يحدث إلى فهم “لماذا يحدث؟”، والكشف عن غياب مشروع مجتمعي تنتعش فيه “التهركاويت”؛ حيث لا يرى الفرد نفسه جزءا يجمعه مع الآخر. إن “التهركاويت” هي نتاج لفشل مجتمعي ومؤسساتي، يبدأ من الأسرة والمدرسة وصولا إلى الإعلام.