توتر بلا سقف: النفط يرتفع والدولار يرسّخ هيمنته
تشهد أسواق النفط العالمية موجة صعود مستمرة لليوم الثالث على التوالي، في ظلّ تصاعد التوترات الجيوسياسية المرتبطة بمضيق هرمز والجمود السياسي بين الولايات المتحدة وإيران. هذا التطوّر دفع الأسعار إلى مستويات مرتفعة، حيث استقر خام برنت قرب 102 دولارات للبرميل بعد مكاسب قوية خلال الجلستين السابقات، بينما يجري تداول خام غرب تكساس الوسيط عند حوالي 96 دولاراً. ويعكس هذا الأداء تحوّلاً واضحاً في سلوك المستثمرين، إذ أصبحت المخاطر الجيوسياسية العامل الأكثر تأثيراً في تحديد الأسعار في الوقت الراهن.
تأتي هذه التحركات في سياق سياسي معقد المشهد، حيث لم تسفر المفاوضات بين واشنطن وطهران عن أي تقدم ملموس لليوم، وسط تبادل تصريحات متناقضة بشأن استئناف المحادثات. الولايات المتحدة تؤكد استمرار التهدئة غير المحددة زمنياً بانتظار مقترحات إيرانية جديدة، فيما تشير طهران إلى عدم نيّتها العودة إلى طاولة التفاوض في الوقت الراهن. هذا الجمود والتناقض السياسي ينعكس مباشرة على الأسواق بحالة عدم اليقين والضبابية، التي بدأت تسعّر احتمالات استمرار الاضطراب في الإمدادات لفترة أطول مما كان متوقعاً في السابق.

في موازاة ذلك، يشكل مضيق هرمز نقطة الضغط الأكثر حساسية في معادلة النفط العالمية، لكونه ممراً أساسياً لصادرات كبار المنتجين في الخليج. أيّ تعطيل لحركة الملاحة فيه، حتى لو كان محدوداً، يؤدّي إلى حركة سريعة في الأسعار. وقد زادت التقارير عن اضطرابات في الملاحة، بما في ذلك اعتراض سفن وقيود بحرية متبادلة، من حالة القلق في الأسواق، ما أسهم في رفع علاوة المخاطر على النفط الخام بشكل ملحوظ.
وأسهمت الأخبار المتداولة عن تطوّرات ميدانية غير مؤكدة في تعزيز تقلبات الأسعار خلال الجلسات الأخيرة، وهذا النمط يعكس اعتماد السوق المتزايد على الأخبار اللحظية في التسعير، وهو ما يجعل حركة النفط أكثر حساسية وأقلّ استقراراً مقارنة بالفترات السابقة، خصوصاً في ظل غياب رؤية سياسية واضحة بشأن مستقبل الصراع.
ورغم هذا الاتجاه الصعودي، نعود للنظر إلى البيانات التي تؤثر على العرض والطلب. فبيانات مخزونات النفط الأميركية أظهرت انخفاضات في المنتجات المكررة، إلى جانب ارتفاع في الصادرات الأميركية إلى مستويات قياسية، ما ساعد جزئياً في تخفيف ضغوط الإمدادات العالمية، غير أن هذا الدعم يبقى محدوداً أمام حجم المخاطر المرتبطة بأيّ اضطراب محتمل في تدفقات النفط عبر الشرق الأوسط، وهو ما يجعل السوق أكثر اعتماداً على التطورات الجيوسياسية من البيانات الاقتصادية.
في هذا السياق، يبرز الدولار الأميركي كعنصر موازٍ لحالة عدم اليقين في أسواق الطاقة. فقد شهد الدولار انتعاشه ويجري تداوله حالياً عند مستويات تحوم حول مستويات 98.70 نقطة، مدعوماً بتزايد الطلب عليه كعملة ملاذ آمن في أوقات التقلب. ويعكس هذا الارتفاع استمرار هيمنة الدولار على النظام المالي العالمي، رغم الحديث المتكرر عن اتجاهات التنويع النقدي على المدى الطويل.
ومع استمرار التوتر في الشرق الأوسط، وغياب تسوية سياسية واضحة بين الأطراف المعنية، يبدو أن الأسواق ستبقى أسيرة تقلبات الأخبار وتغيّرات المزاجالجيوسياسي أكثر من اعتمادها على التوازنات الاقتصادية التقليدية.