جلسة لوسيد العنيفة: شائعة إفلاس تكشف أزمة ثقة عميقة في السهم والشركة
لم تعد قصة لوسيد جروب (Lucid Group)، أمس الثلاثاء 14 تموز/يوليو 2026، مجرد خبر عن شائعة إفلاس نفتها الشركة سريعاً. القصة الأهم أن سهماً لشركة سيارات كهربائية تحظى بدعم سعودي كبير دفعه تقرير منشور في موقع متخصص إلى هبوط حاد خلال التداول، قبل أن يقلّص خسائره مع نهاية الجلسة.

الذعر في ناسداك
بدأت الجلسة العنيفة بعدما نشر موقع إلكتروني متخصص في السيارات الكهربائية يُعرف اختصاراً باسم EV تقريراً، نقلاً عن مصدرين لم يسمّهما، قال فيه إن لوسيد تعمل مع شركة الاستشارات أليكس بارتنرز (AlixPartners) وتدرس خيارات تشمل التقدم بطلب حماية من الإفلاس بموجب الفصل الحادي عشر، أو التحول إلى شركة خاصة. يشار إلى أن تكليف أليكس بارتنرز بمساعدة لوسيد على تحسين الكفاءة التشغيلية كان قد نُشر مسبقاً من جهات إخبارية أخرى؛ لكن الجديد في تقرير EV كان تحديداً ربط هذا التكليف بسيناريوات الإفلاس والخصخصة.
تراجع سهم لوسيد خلال التداولات إلى 2.37 دولارين، بما يوازي انخفاضاً يقارب 57% عن إغلاق الاثنين، وتوقف التداول عليه أكثر من مرة بسبب التقلبات الحادة، قبل أن يرتد جزئياً ويغلق عند 4.62 دولارات، منخفضاً 16.15% عن إغلاق الاثنين البالغ 5.51 دولارات. وتجدر الإشارة إلى أن مصادر أخرى، من بينها موقع إلكتريك المتخصص بالسيارات الكهربائية، تحدثت عن تراجع "يتجاوز 40%" خلال الجلسة، وهو تفاوت في القياس يرجّح أنه ناتج عن اختلاف اللحظة أو القاعدة الزمنية المعتمدة للحساب، ولا يغيّر جوهر الصورة: هبوط داخلي غير معتاد.

النفي لا يكفي
لكن نفي الشركة لم ينهِ الأسئلة. نيك تورك، رئيس التواصل المؤسسي في لوسيد، قال إن الشائعات "غير صحيحة تماماً"، وإن الشركة لديها سيولة كافية لتمويل عملياتها حتى العام المقبل، كما ورد في أحدث إفصاح فصلي. وأضاف أن لوسيد لم تشكل لجنة خاصة في مجلس الإدارة لبحث السيناريوات الواردة في التقرير، وأن دور أليكس بارتنرز يقتصر على تحسين التنفيذ والكفاءة التشغيلية، لا على تقديم توصية بالإفلاس.
الأسواق، مع ذلك، لا تتفاعل مع النفي وحده؛ فهي تقرأ ما وراءه: شركة تخسر أموالاً بمعدل متصاعد، وتحتاج إلى تمويل متكرر، وتعمل في قطاع تباطأت فيه شهية المستثمرين بعد موجة الحماس الأولى تجاه السيارات الكهربائية. وبحسب بيانات الشركة الرسمية للربع الأول من 2026، سجّلت لوسيد خسارة صافية بلغت نحو 1.028 مليار دولار، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف خسارة الفترة نفسها من عام 2025 البالغة 366.2 مليون دولار.
سيولة بلا ضمانات
تقول لوسيد في نتائجها للربع الأول من 2026 إنها أنهت الفترة بسيولة إجمالية تقارب 3.2 مليارات دولار، ترتفع إلى نحو 4.7 مليارات دولار على أساس تقديري بعد احتساب التمويل الذي أُعلن في نيسان/أبريل. وشمل ذلك جمع نحو 1.05 مليار دولار، بينها 550 مليون دولار من شركة "أيار الثالثة للاستثمار" التابعة لصندوق الاستثمارات العامة السعودي في أسهم مفضلة قابلة للتحويل، و300 مليون دولار من طرح عام لأسهم عادية، و200 مليون دولار استثمار إضافي من أوبر (Uber) رفع إجمالي استثماراتها في لوسيد إلى 500 مليون دولار.
هذا الرقم يمنح لوسيد وقتاً، لكنه لا يحل المشكلة الأساسية. فالسيولة تشتري للشركة مهلة لإنتاج سيارات أكثر وخفض التكاليف وتوسيع قاعدة العملاء، لكنها لا تثبت وحدها أن الطلب كافٍ أو أن الهوامش ستتحسن بالسرعة المطلوبة. وفي الربع الأول، أعلنت الشركة إيرادات بلغت 282.5 مليون دولار بارتفاع 20% على أساس سنوي، وسلّمت 3093 سيارة، وقالت إن مشكلة لدى أحد موردي المقاعد أثرت في تسليمات شباط/فبراير.

النقد يتآكل
وراء أرقام السيولة المعلنة، تكشف بيانات التدفق النقدي عمق المشكلة. فقد بلغ التدفق النقدي الحر لدى لوسيد سالب 1.438 مليار دولار في الربع الأول من 2026، بحسب إفصاح الشركة الرسمي. لا تتيح المادة المتاحة الجزم برقم التدفق النقدي الحر المقارن للفترة نفسها من 2025 بدقة كافية. وهذا يعني أن النمو التشغيلي لم يتحول بعد إلى تدفقات نقدية، بل ما زال يتطلب إنفاقاً كبيراً لتمويل الإنتاج والمخزون والتوسع. لذلك، لا تكمن المشكلة في نفاد السيولة فوراً، بل في وتيرة استهلاكها، وما إذا كانت الشركة قادرة على خفض حرق النقد قبل أن تحتاج إلى تمويل جديد.
فجوة الإنتاج
تظهر المشكلة الهيكلية أيضاً في الفارق بين الإنتاج والتسليم. فقد صنعت لوسيد 5500 سيارة في الربع الأول من 2026، بارتفاع 149% على أساس سنوي، لكنها سلّمت 3093 سيارة فقط، ما يشير إلى أن زيادة الإنتاج سبقت قدرة الشركة على تحويل السيارات إلى مبيعات نقدية بالوتيرة نفسها. وقالت لوسيد إن خللاً لدى أحد موردي المقاعد أثّر في تسليمات سيارة "غرافيتي" (Gravity) خلال شباط/فبراير، وإنها تتخذ خطوات لمواءمة الإنتاج مع التسليمات والطلب. وعلى خلفية هذه الفجوة، علّقت إدارة لوسيد توقعاتها للعام الكامل بعد نتائج الربع الأول، في إطار مراجعة داخلية يقودها سيلفيو نابولي (Silvio Napoli)، الرئيس التنفيذي، وهو ما يربط تبدل القيادة مباشرة بحالة عدم اليقين المالي المستمرة. وتزيد هذه الفجوة، إلى جانب خفض الوظائف في الولايات المتحدة، الضغط على شركة تعمل أساساً في شريحة فاخرة محدودة، بتشكيلة تدور حالياً حول "غرافيتي" و"إير" (Air)، لا حول قاعدة منتجات واسعة ومنخفضة السعر.
الرهان السعودي
تكتسب القصة بعداً إقليمياً لأن صندوق الاستثمارات العامة السعودي من أبرز داعمي لوسيد، إلى حد يرفع نسبة الملكية السعودية في الشركة إلى ما يتجاوز 60% بحسب تقديرات مالية متداولة. وهذا يجعل أداء السهم أكثر من مسألة تخص مساهمي شركة أميركية مدرجة في ناسداك؛ فهو يرتبط أيضاً برهان سعودي أوسع على بناء حضور في صناعة السيارات الكهربائية وسلاسل الإمداد المرتبطة بها.
ما بعد الارتداد
ما حدث في جلسة الثلاثاء أظهر أن السوق لم تعد تتعامل مع لوسيد كقصة نمو مفتوحة بلا تكلفة. أي تقرير عن الإفلاس أو التحول إلى شركة خاصة، حتى إذا نفته الشركة، يجد أرضاً خصبة عندما تكون الخسائر مرتفعة وحرق النقد مستمراً والمنافسة في السيارات الكهربائية أكثر شراسة.
لهذا، فإن السؤال بعد النفي ليس ما إذا كانت لوسيد ستعلن إفلاسها الآن؛ الشركة تقول بوضوح إن ذلك غير صحيح. السؤال الأهم هو ما إذا كان نموذجها المالي قادراً على الصمود من دون جولات تمويل متكررة، وما إذا كان الدعم المالي كافياً لمنحها الوقت اللازم قبل أن تطلب السوق دليلاً أقوى على الطلب والربحية.
في جلسة واحدة، تحولت شائعة إلى اختبار ضغط كامل: للسهم، ولثقة المستثمرين، ولقدرة الشركة على إدارة السردية المحيطة بها. وقد نجحت لوسيد في وقف أسوأ السيناريوات خلال الجلسة، لكنها لم تغلق ملف الشكوك التي جعلت الهبوط بهذه الحدة ممكناً أصلاً.