جمعيات الشباب بالمغرب أمام زلزال الذكاء الاصطناعي: من العمل التقليدي إلى صناعة الوعي والتحرر
في البداية أرى من الضروري طرح بعض الأسئلة التي قد تبدو أسئلة عادية لكني أراها أسئلة مقلقة يجب أن نطرحها على أنفسنا بكل مسؤولية:
• هل جمعياتنا اليوم قادرة فعلا على فهم العالم الذي يعيش فيه الشباب؟
• هل ما زلنا نخاطب شباب اليوم بلغة الأمس؟
• هل نعرف ماذا يشاهدون؟ ماذا يصدقون؟ ممن يتأثرون؟ ما الذي يخيفهم؟ ما الذي يغريهم؟
• هل نحن نربيهم على الحرية، أم نملأ وقت فراغهم فقط؟
• هل نساعدهم على إنتاج المعنى، أم نتركهم يستهلكون المعنى المصنوع لهم؟
• هل يمكن لجمعية فقيرة ماديا أن تكون غنية فكريا وتربويا؟
• هل سنسمح للذكاء الاصطناعي وللخوارزميات أن تصبح أداة جديدة لهيمنة الأقوياء على الضعفاء؟
• هل سنترك أبناء الفئات الشعبية يستهلكون التكنولوجيا، بينما يتعلم أبناء الفئات الاجتماعية الميسورة كيف يتحكمون فيها؟
• هل نحن أمام فرصة لتحرير الشباب، أم أمام خطر تدجينهم؟
هذه الأسئلة ليست للتشاؤم، إنها دعوة إلى اليقظة
هي أسئلة لتجديد أدوات وأسلحة المقاومة لدى الشباب، مقاومة عالم يريد منا أن نسرع دائما دون تفكير ودون توقف، ولذلك قد يصبح التباطؤ والسير بسرعة غير السرعة المفروضة علينا فعلا تربويا وعملا مقاوما، فالذكاء الاصطناعي يعطينا جوابا في ثوانٍ، لكن هل كل جواب سريع جواب جيد؟ فالمنصات تدفعنا إلى أن نضغط بسرعة، ونشارك بسرعة، ونغضب بسرعة، ونصدق بسرعة، لكن العمل التربوي المقاوم يعلمنا كيف ومتى نتوقف قليلا، لطرح السؤال وللتحقق وللتفكير.
وحين نطرح على أنفسنا السؤال عن الجمعية التي نحتاجها اليوم فهي بالضرورة ليست فقط جمعية أنشطة، إنها بالأساس جمعية وعي وجمعية سؤال، جمعية فكر نقدي وجمعية تكوين، وجمعية لحماية الأطفال والشباب وفي نفس الوقت جمعية تحثهم على الإبداع، جمعية تجعل الشباب يشعر أنه قادر على فهم العالم، وتغييره لا فقط العيش فيه.
نحتاج إلى جمعية تعلّم الشباب استعمال الخوارزميات لكي تساعده، لا لكي تفكر مكانه أو تقرر بدلا عنه أو تمحي صوته المتفرد، لكي ترافقه، لا لتتحكم وتقود حياته، نحتاج إلى جمعية تربي الشباب على أن الذكاء الحقيقي ليس فقط في سرعة الجواب، بل في عمق السؤال.
جمعيات الشباب تستطيع أن تفعل شيئا مهما: أن تمنح الشباب أدوات الفهم، ، وأن تحول الخوف إلى وعي، والوعي إلى فعل. ، إذا تركنا الذكاء الاصطناعي بلا وعي، سيتحول لأداة للهيمنة، والكسل، والتلاعب، والتفاهة، وتعميق الفوارق، لكنه يمكن أن يصبح أيضا وسيلة للتعلم، والتعبير، والتنظيم، والإبداع، وخدمة المجتمع، والفرق بين الطريقين تصنعه التربية، يصنعه الوعي، تصنعه الجمعيات التربوية المناضلة، يصنعه المنشطون والمنشطات، يصنعه الشباب أنفسهم حين نثق في قدرتهم على الفهم والنقد والإبداع
لأن السؤال الحقيقي ليس: ما الذي سيفعله الذكاء الاصطناعي بنا وبالشباب؟ بل السؤال الأهم هو: ماذا سنفعل نحن، كمجتمع وكجمعيات وكشباب، لكي لا نكون مجرد موضوع لهذه الثورة، بل فاعلين فيها؟ كيف نحول الذكاء الاصطناعي إلى مشروع إنساني وتربوي يحرر الشباب ولا يستعبدهم؟
هل نحن نُعِدّ شبابنا للمستقبل، أم نُسَلِّمهُم إليه بلا عتاد وبلا أدوات؟
في الماضي، كنا نبحث عن المعلومة، أما اليوم، فالمعلومة تطاردنا، و كان الشباب، في الماضي، يسألون الأستاذ أو الكتاب أو الأسر، أما اليوم، فيسألون آلة تجيبه في ثوانٍ، بثقة كبيرة، حتى عندما تكون مخطئة، وهنا يبدأ الخطر، الخطر ليس فقط أن يخطئ الذكاء الاصطناعي، الخطر الأكبر هو أن يتوقف الشباب عن السؤال، أن يتوقفوا عن الشك، أن يتوقفوا عن المحاولة، أن يتوقفوا عن التفكير، أن يتحولوا، بهدوء، إلى مستهلكين مطيعين، يستهلكون الصور، والنصوص، والآراء، والأذواق، والقيم، وحتى الأحلام.
فالتحدي ليس تحديا تقنيا فقط، التحدي أيضا قيمي وتربوي واجتماعي، لأن الذكاء الاصطناعي لا يغير الأدوات فقط، بل يغير علاقتنا بالمعرفة والجهد والحقيقة والزمن، فما كان يحتاج إلى صبر وتفكير، أصبح اليوم يقدم بشكل فوري وجاهز، فالتعلم أصبح أسرع، لكن السرعة لا تعني دائما الفهم الجيد والعميق، والخطر ليس في التكنولوجيا وحدها، بل في غياب التكوين والوعي، لأن الفجوة اليوم ليست فقط فجوة أجهزة، بل أيضا فجوة تربية ونقد، ولذلك فالسؤال الحقيقي: الذي يجب أن نطرحه هو: هل نكوّن الشباب لفهم هذه الأدوات؟ أم نكتفي بتوفيرها لهم؟
وعي الشباب وشخصياتهم لا تتشكل فقط داخل الأسرة وداخل المدرسة، بل أيضا داخل الهاتف والصورة والفيديو والتعليق.، فالثورة الرقمية تفرض اليوم قيما جديدة، فهي تعلي من قيمة السرعة بدل الصبر ومن قيمة الظهور والسطحية بدل العمق ومن قيمة الاستهلاك بدل الإنتاج ومن قيمة الشهرة بدل المعنى ومن الجواب الجاهز بدل السؤال الصعب، هناك خطر ماثل أمامنا، أن تصبح الآلة بديلا عن الجهد الإنساني وأن نربي جيلا يشعر بالوحدة رغم أنه مرتبط بشبكات التواصل الاجتماعي، جيل ذكي في استعمال التكنلوجيا و الخوارزميات، لكنه ضعيف التفكير، لذلك فالمشكل ليس في استعمال الذكاء الاصطناعي بل المشكل في استعماله دون وعي ودون نقد، ودون كرامة فكرية.
ومن هنا السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم داخل جمعيات الشباب، ودور الشباب، والفضاءات التربوية والثقافية: هل نريد شبابا يضغطون وبنقرون الشاشات وينسخون ويستهلكون؟ أم شبابا يسألون، ويفكرون، وينتجون، ويقاومون، ويبدعون؟
واقع جمعيات الشباب بالمغرب
نعرف أننا حين نسائل مهام وأدوار جمعيات الشباب، لا يغيب ‘ن أنظارنا ما تعانيه هذه الجمعيات بالمغرب من هشاشة واضحة، من ضعف في الإمكانات، و نقص في التكوين والدعم، ومحدودية الاستمرارية، مما ينعكس سلبا على حماس الفاعلين وقدرتهم على التأثير، فبالرغم من أهمية الأنشطة الموسمية التي تنظمها، فإنها لم تعد وحدها كافية أمام التحولات العميقة التي يعيشها الشباب اليوم، فهذا الجيل يتشكل وعيه أكثر عبر الهاتف ومنصات التواصل والمؤثرين، حيث تُسوق له صور النجاح السريع والثروة والشهرة والحياة المصطنعة، ومع تسارع أثر الذكاء الاصطناعي، لم يعد مقبولا أن تظل الجمعية مجرد فضاء للترفيه أو تنظيم المناسبات، بل صار مطلوبا منها أن تصنع الوعي وتواكب الشباب في مواجهة عالم رقمي يعرف عنهم أكثر مما يعرفون عن أنفسهم.
ما الدور الجديد لجمعيات الشباب؟
هنا نصل إلى جوهر المداخلة، إذا كان العالم يتغير، فلا يمكن للجمعيات أن تبقى ثابتة، إذا كانت التكنولوجيا تعيد تشكيل العقول والقيم والعلاقات، فلا يمكن للعمل الجمعوي أن يظل حبيس الأدوار التقليدية، فنحن بحاجة إلى تحول كبير:
تحول من جمعية تنظم الأنشطة فقط إلى جمعية تصنع الوعي، من جمعية تملأ وقت الفراغ، إلى جمعية تحرر العقل، من جمعية تقدم خدمات متفرقة، إلى جمعية تبني قدرات الشباب، من جمعية تنتظر الدعم، إلى جمعية تبتكر بموارد قليلة، من جمعية تشتكي من ضعف الإمكانيات إلى جمعية تجعل من الوعي والتنظيم والتطوع قوة مضادة للفقر المادي.
هذا لا يعني أن الإمكانيات غير مهمة، بالعكس، غياب الدعم مشكل حقيقي، لكن الأخطر من الفقر المادي هو الفقر في الخيال، والأخطر من ضعف التجهيزات هو ضعف الرؤية، قد لا نملك قاعة مجهزة، لكن يمكن أن نملك سؤالا قويا، قد لا نملك حواسيب كثيرة، لكن يمكن أن نملك منهجا نقديا، قد لا نملك تمويلا كبيرا، لكن يمكن أن نملك شبابا يؤمنون بأنهم ليسوا مجرد ضحايا وهنا تبرز أهمية التربية الشعبية، لأن المعرفة الرقمية لا يجب أن تبقى حكرا على الخبراء، أو الشركات، أو من يملكون المال والتكوين، فإذا تركنا الذكاء الاصطناعي للنخب وحدها، فسيتحول بسهولة إلى أداة جديدة للفرز الاجتماعي، أما إذا جعلنا فهمه حقا مشتركا، ونقلنا أدوات النقد والتحقق إلى الشباب في الأحياء الشعبية والمناطق الهشة، فإننا نحول التكنولوجيا من أداة هيمنة إلى فرصة للتحرر، وهنا يمكن لجمعيات الشباب أن تصبح فضاءات لتحرير المعرفة الرقمية:
لفتح النقاش، ولشرح المفاهيم، ولتفكيك الخوارزميات، وتعليم الشباب كيف يسألون، وكيف يشُكُّون، وكيف يتحققون، وكيف يستعملون التكنولوجيا لصالحهم لا ضدهم.
فالجمعيات ليست فقط مكانا للأنشطة، بل يجب أن تظل تلك المدرسة الثانية، مدرسة للوعي، وللحرية، وللنقاش، للتجريب، وللتعلم الجماعي.
خمس كفاءات يجب أن تنقلها الجمعيات للشباب
لسنوات طويلة، فهمنا التربية الرقمية بشكل محدود مختزلة في كيف نستعمل الجهاز، وكيف نفتح التطبيق وكيف أضغط بسرعة، لكن هذا لم يعد يكفي، لأن الشباب قد يعرف كيف يستعملون الهاتف، لكنهم لا يعرفون كيف يستعملون عقولهم أمام الهاتف، وقد يعرفون كيف يطلبون جوابا من الذكاء الاصطناعي، لكنمه لا يعرفون كيف يسألون: من أين جاء هذا الجواب؟ ما حدوده؟ ما تحيزاته؟ لذلك، فالمطلوب اليوم ليس فقط تربية رقمية تقنية، بل تربية رقمية نقدية وواعية بتحديات الثورة التكنلوجية والذكاء الاصطناعي.
لذلك أقترح أن تتصدى جمعيات الشباب لمهام جديدة تساعد الشباب على مواجهة تحديات الذكاء الاصطناعي من خلال تكوينهم في خمس كفاءات أساسية، وذلك، لكي يصبح الشباب ليس فقط مستخدمين مستهلكين، بل مواطنين واعيين، وهذه الكفاءات هي:
كفاءة الشك
فليس كل ما تقوله الآلة صحيحا، وليس كل جواب مكتوب بلغة جميلة جوابا صادقا، يجب أن يتعلم الشاب أن يسأل دائما: هل هذا صحيح؟ من قال ذلك؟ ما الدليل؟ ما الذي تم إخفاؤه؟ ما الذي تم تبسيطه أكثر من اللازم؟
كفاءة التحقق
يجبألانكتفيبمصدرواحد،عليناأننقارن،أننبحثعنالتاريخ،نبحثعنالكاتب،نبحثعنالسياق،نفرقبينالرأيوالحقيقة،وبينالمعلومةوالدعاية،
كفاءة حماية الذات
بيانات الشباب ليست شيئا تافها، فصورهم، وعناوينهم، مشاكلهم، أسرارهم، ووثائقهم، واهتماماتهم، كلها يمكن أن تتحول إلى مادة للاستغلال، يجب أن نعلمهم قاعدة واضحة: ما لا أقوله لغريب في الشارع، لا أعطيه لتطبيق على الهاتف.
كفاءة الإبداع
الذكاء الاصطناعي يمكن أن يقترح، لكن الإنسان هو من يمنح المعنى، يجب أن نسأل الشاب: ما فكرتك أنت؟ ما تجربتك أنت؟ ما صوتك أنت؟ ما الذي تضيفه أنت ولا تستطيع الآلة إضافته؟
كفاءة المواطنة
الشاب لا يجب أن يسأل فقط: كيف أستفيد من الذكاء الاصطناعي؟ بل أيضا: ما أثره على الفقراء؟ على التعليم؟ على الشغل؟ على اللغة؟ على الثقافة؟ على الخصوصية؟ على الديمقراطية؟ على العدالة؟
مقترحات عملية لتجديد عمل جمعيات الشباب
حتى لا تبقى هذه المداخلة كلاما عاما، أقترح مجموعة من المبادرات العملية التي يمكن للجمعية أن تبدأ بها، حتى بإمكانيات محدودة.
• نادي الشباب والذكاء النقدي في مواجهة الذكاء الاصطناعي:
وهو لقاء أسبوعي أو نصف شهري يناقش فيه الشباب موضوعا رقميا مثل: الإشاعات، الصور المفبركة، الذكاء الاصطناعي، الإدمان الرقمي، الخصوصية، المؤثرون، الخوارزميات.
الهدف من وراء خلق مثل هذه الأندية هو بناء عادة السؤال والنقاش مثل : هل الذكاء الاصطناعي يقول الحقيقة؟ نعطي الشباب جوابا أنتجته آلة وفيه أخطاء، نطلب منهم اكتشافها وتصحيحها والبحث عن مصادر، الهدف هو كسر هيبة الآلة، كما يمكن تنظيم ضمن هذا النادي ورشات مثل :
– ورشة : من يربح من وقتي؟
نحلل مع الشباب تطبيقات يستعملونها يوميا، من يملكها؟ كيف تربح المال؟ ماذا تعرف عني؟ لماذا تجعلني أبقى أطول وقت ممكن؟ الهدف: فهم الاقتصاد الخفي للانتباه.
– ورشة العقل أولا
قبل استعمال الذكاء الاصطناعي، يكتب الشاب فكرته بنفسه.
بعدها يستعمل الأداة للمقارنة والتحسين.
الهدف: ألا تصبح الآلة بداية التفكير، بل مرحلة مساعدة بعد التفكير.
– ورشة الذكاء الاصطناعي في خدمة الحي
ماذا يمكن أن نفعل كشباب بهذه الأداة لصالح مجتمعنا؟ بدل استعمال الذكاء الاصطناعي للتسلية فقط، يمكن استعماله لإنتاج أشياء مفيدةمثل: دليل مبسط لحقوق الشباب، دروس للدعم والتقوية، حملات ضد الهدر المدرسي، مشاريع بيئية محلية، بودكاست شبابي،
مجلة رقمية، خريطة لمشاكل الحي واقتراحات الحلول.
– لقاءات مع الآباء والأمهات
لا يمكن ترك الأسر خارج النقاش، أغلب الآباء والأمهات يخافون من التكنولوجيا لأنهم لا يفهمونها، وكثير من الشباب يستعملونها دون توجيه، الجمعية يمكن أن تكون جسرا بين الجيلين، تنظم لقاءات بسيطة بعنوان:
“كيف نرافق أبناءنا في زمن الذكاء الاصطناعي؟” لا بلغة التخويف، بل بلغة الفهم والمرافقة.
• تكوين المنشطين الجمعويين
لا يمكن لمنشط غير مكوّن أن يرافق شبابا يعيشون وسط ثورة رقمية، لذلك يجب أن يصبح التكوين الرقمي والنقدي جزءا أساسيا من تكوين الفاعل الجمعوي، فليس مطلوبا أن يكون خبيرا في البرمجة، لكن عليه أن يفهم على الأقل/ ما الخوارزمية؟ ما البيانات؟ ما التحيز؟ ما الذكاء الاصطناعي التوليدي؟ ما مخاطر التضليل؟ كيف أرافق الشباب في استعمال آمن ونقدي؟.
نص المداخلة التي شاركت بها في الندوة التي نظمتها الجمعية المغربية لتربية الشبيبة بمدينة تمارة تخليدا لذكرى تأسيسها الخمسون