جهاز أبوظبي للاستثمار في خمسين عاماً: من رؤية للشيخ زايد إلى أصول بتريليون دولار ومستقبل بالذكاء الاصطناعي

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

في عام 1976، حين كانت أبوظبي تشهد ذروة طفرة النفط الأولى، أسّس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مؤسسةً من نوع مختلف؛ لا لإنفاق الثروة، بل لحفظها وإنمائها. كان الرهان جريئاً: توظيف فوائض النفط في أسواق المال العالمية، بعيداً عن التقلبات اليومية لأسعار الخام.

 

اليوم، يحتفل جهاز أبوظبي للاستثمار (ADIA) بذكراه الخمسين، وهو يدير أصولاً تُقدّرها جهات تحليلية مستقلة بنحو 1.1 تريليون دولار (4 تريليونات درهم)، فيما لا يُفصح الجهاز رسمياً عن هذا الرقم.

 

وقال الشيخ حامد بن زايد آل نهيان، العضو المنتدب للجهاز، في بيان صادر اليوم الجمعة: "ندين بالفضل الكبير للمغفور لهما، بإذن الله تعالى، الوالد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، لحكمتهما ونظرتهما الثاقبة في إنشاء جهاز أبوظبي للاستثمار". وأشاد بالدعم المتواصل من رئيس الدولة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ومن الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان رئيس مجلس الإدارة، مستذكراً إسهامات المغفور له الشيخ أحمد بن زايد آل نهيان الذي "بذل جهوداً دؤوبة في إرساء القواعد الراسخة التي نستند إليها اليوم".

 

الرجال الأوائل

عند تأسيس الجهاز عام 1976، تولّى أحمد خليفة السويدي منصب نائب رئيس مجلس الإدارة، فيما عُيّن محمد حبروش السويدي عضواً منتدباً. وشغلا هذين المنصبين حتى عام 1997، في أكثر من عشرين عاماً متواصلة من بناء المؤسسة وترسيخ قيمها.

 

وتكشف هذه الاستمرارية عن ثقافة مؤسسية طويلة النفس، تجعل توارث الخبرة ركيزة أساسية في تفسير ثبات أداء الجهاز على مدى العقود.

 

اجتماع مجلس الإدارة

بحضور الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس ديوان الرئاسة، وولي عهد أبوظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان رئيس المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي، عقد مجلس إدارة الجهاز اجتماعه الأول لعام 2026 في أبوظبي يوم أمس الخميس، برئاسة الشيخ طحنون.

 

وعرض المجلس أداء الجهاز خلال عام 2025 والربع الأول من 2026، وناقش الأوضاع الإقليمية وانعكاساتها على الاقتصاد العالمي وأسواق المال، إضافة إلى استراتيجية الجهاز وتوقعات الأداء المستقبلية ومبادرات تعزيز قدرات الذكاء الاصطناعي.

 

 

الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان يترأس اجتماع جهاز أبوظبي للاستثمار (وام)

 

الأرقام تتحدث

لا يُفصح الجهاز عن حجم أصوله بشكل مباشر، غير أن تقريره السنوي لعام 2024 يُظهر أداءً متيناً على المدى البعيد؛ إذ بلغ معدل العائد السنوي 6.3% على مدى 20 عاماً، و7.1% على مدى 30 عاماً، وفق بيانات مدقّقة كما في 31 كانون الأول/ديسمبر 2024.

 

وللمقارنة، بلغت هذه المعدلات في عام 2023 على التوالي 6.4% و6.8%، ما يعني انخفاضاً طفيفاً في معدّل العشرين عاماً وارتفاعاً في معدل الثلاثين عاماً. وأشار التقرير إلى أن أداء 2024 لا يزال مبدئياً ريثما تُدرج البيانات النهائية للأصول غير المدرجة.

 

وعلى صعيد هيكل الإدارة، يتولى الجهاز إدارة 65% من محفظته داخلياً مقابل 35% خارجياً، فيما تبلغ نسبة الإدارة النشطة 54% في مقابل 46% للإدارة السلبية.

 

من الأسهم إلى البنية التحتية: تطوّر المحفظة

يُوثّق البيان الرسمي مسار التنويع بدقة لافتة؛ فقد انطلق الجهاز مستثمراً أساساً في الأسهم والسندات، ثم دخل صناديق التحوّط عام 1986، والأسهم الخاصة عام 1989، وصولاً إلى البنية التحتية عام 2007.

 

وفي عام 1993، اعتمد الجهاز لأول مرة عملية رسمية لتوزيع الأصول، وصفها البيان بأنها "ابتكار جوهري ومحرّك رئيسي لأدائه المتميز على مدى العقود اللاحقة".

 

وتتوزع المحفظة، وفق التقرير السنوي، على فئات أصول متعددة؛ إذ تراوح نسبة الأسهم في الأسواق المتقدمة بين 32% و42%، والأسهم الخاصة بين 12% و17%، والعقارات بين 5% و10%، والبنية التحتية بين 1% و5%.

 

وجغرافياً، تستأثر أميركا الشمالية بالحصة الأكبر، بنسبة تراوح بين 45% و60%، تليها أوروبا بنسبة تراوح بين 15% و30%، ثم الأسواق الناشئة بنسبة تراوح بين 10% و20%. ومن الجدير بالذكر أن الجهاز لا يستثمر داخل الإمارات، بحسب السياسة المعتمدة.

 

البنية الداخلية: مؤسسة علمية

أسّس الجهاز عام 2020 وحدة البحث والتطوير الكمّي (QRD)، التي باتت تضم أكثر من 125 متخصصاً، لتؤدّي دوراً محورياً في التوزيع الديناميكي للأصول وتطوير الاستراتيجيات الاستثمارية.

وفي عام 2021، أُنشئت دائرة المحفظة الرئيسية لإدارة استثمارات مؤشرات الأسهم العامة وسندات الدخل الثابت وتعزيز المرونة التشغيلية.

 

وفي عام 2024، استكمل الجهاز برنامجاً تحولياً امتد لسنوات لتطوير أداء الدوائر المساندة للاستثمار، لينتقل بذلك، وفق تقريره السنوي، من مرحلة "بناء القدرات الأساسية" إلى مرحلة "التنفيذ وتحسين قرارات الاستثمار المبنيّة على البيانات".

 

الاستثمار في المواهب ومختبر الذكاء الاصطناعي

بعد عامين فقط من تأسيسه، أطلق الجهاز عام 1978 برنامجاً للمنح الدراسية أتاح لآلاف المواطنين الإماراتيين متابعة دراستهم الجامعية في الخارج. ويُركّز البرنامج اليوم على التخصّصات العلمية والتكنولوجية والرياضيات، فيما وقّع الجهاز اتفاقيات شراكة مع جامعات محلية لإطلاق برامج ماجستير في الرياضيات التطبيقية وعلوم البيانات الحاسوبية.

 

وفي عام 2022، أسّس الجهاز "مختبر أبوظبي للاستثمار" (ADIA Lab)، وهو مؤسسة مستقلة متخصّصة بإجراء الأبحاث الأساسية والتطبيقية في مجالات البيانات وعلوم الحوسبة، ويُشرف عليها مجلس استشاري دولي يضمّ حائزي جائزة نوبل ورواد فكر عالميين.
وشارك المختبر في شراكات مع جامعة خليفة وجامعة السوربون أبوظبي وجامعة نيويورك أبوظبي لتطوير برامج تعليمية في مجالات الذكاء الاصطناعي.

 

وفي عام 2024 وحده، شكّلت الوظائف في مجالات البيانات والذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي أكثر من نصف إجمالي التعيينات الجديدة في الجهاز، الذي يضم 1,330 موظفاً من 65 دولة.

 

دور دولي في رسم قواعد الحوكمة

لا يقتصر دور الجهاز على إدارة محفظة استثمارية، بل امتد إلى صياغة قواعد اللعبة الدولية. ففي عام 2008، عُيّن رئيساً مشاركاً، إلى جانب صندوق النقد الدولي، لمجموعة العمل الدولية لصناديق الثروة السيادية، وتكلّل ذلك بوضع "مبادئ سانتياغو"، وهي مجموعة من الإرشادات العالمية المتعلقة بالحوكمة واستراتيجيات الاستثمار وممارسات إدارة المخاطر للصناديق السيادية حول العالم.
وقال الشيخ حامد بن زايد في هذا الصدد: "يولي جهاز أبوظبي للاستثمار أهمية كبيرة لبناء الشراكات مع المستثمرين الذين يشتركون معه في رؤيته وأهدافه. ومن خلال العمل الوثيق مع شركائنا والنموّ معهم، نجحنا في بناء شبكة معرفية تتعاظم قيمتها بمرور الوقت، وتحقق عائداً مميزاً يتجاوز حدود أيّ استثمار منفرد".

 

الخمسون القادمة

أكد الشيخ طحنون في كلمته أن التحولات التكنولوجية المتسارعة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، "تفتح مرحلة جديدة في عالم الاستثمار، سواء من خلال الفرص المتاحة في هذا المجال، أو توظيف التقنيات المتقدمة لتعزيز جودة التحليل، ورفع كفاءة إدارة المحافظ، ودعم الابتكار المؤسسي، مع الحفاظ على المبادئ الاستثمارية الراسخة التي شكَّلت أساس نجاحه على مدى العقود الماضية".

 

وختم الشيخ حامد بن زايد بالقول: "من خلال التحلّي بالانضباط، وتوظيف الخبرات العميقة لكوادرنا، ومواصلة التعلم والتطوّر، سيبقى جهاز أبوظبي للاستثمار مخلصاً وملتزماً بالمهمة والرسالة الموكلة إليه باعتباره ركيزة أساسية لنموّ وازدهار أبوظبي".

 

خمس وقائع أساسية

• تأسّس الجهاز عام 1976، وانطلق بفريق صغير يستثمر في الأسهم والسندات، ثم توسّع نحو صناديق التحوّط (1986)، والأسهم الخاصة (1989)، والبنية التحتية (2007).
• حقق عائداً سنوياً بلغ 6.3% على مدى 20 عاماً، و7.1% على مدى 30 عاماً، وفق بيانات مدقّقة كما في 31 كانون الأول/ديسمبر 2024.
• يُدار 65% من المحفظة داخلياً، ويعمل في الجهاز 1,330 موظفاً من 65 دولة، وشكّلت تخصّصات الذكاء الاصطناعي والبيانات أكثر من نصف توظيفات 2024.
• أسّس "مختبر أبوظبي للاستثمار" عام 2022 للأبحاث في الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات، بمجلس استشاري يضم حائزي جائزة نوبل.
• شارك في صياغة "مبادئ سانتياغو" عام 2008، كرئيس مشارك لمجموعة العمل الدولية لصناديق الثروة السيادية مع صندوق النقد الدولي.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية