حدود مقاربة “الوسيط” في معالجة إشكالية تنفيذ الأحكام القضائية:

في الحاجة لبناء منظومة داخلية للامتثال إداري

مقدمة:

أعاد التقرير السنوي لوسيط المملكة برسم سنة 2025 طرح إشكالية استمرار بعض حالات التأخر في تنفيذ الأحكام القضائية النهائية الصادرة في مواجهة الإدارة، وعدم تفعيل بعض التوصيات المؤسساتية بالسرعة والفعالية المطلوبتين. وتكتسي هذه الإشكالية أهمية خاصة باعتبار أن تنفيذ الأحكام يمثل الاختبار العملي لفعالية دولة القانون، إذ لا تكتمل حماية الحقوق بمجرد صدور الأحكام، وإنما بضمان آثارها التنفيذية.

غير أن مقاربة هذه الظاهرة تقتضي تجاوز اختزال المسؤولية في الإدارة باعتبارها شخصًا معنويًا، لأن هذا التصور، رغم وجاهته القانونية، لا يكفي لتفسير أسباب التعثر من منظور الحكامة. فالإدارة منظومة مركبة تتداخل داخلها مستويات القرار والاختصاصات والموارد، مما يجعل السؤال الأساسي لا يتعلق فقط بتحديد الجهة الملزمة قانونًا بالتنفيذ، وإنما بفهم أسباب ضعف الامتثال وآليات تدبيره.

ويضطلع وسيط المملكة بدور مهم في رصد الاختلالات وتقريب الإدارة من المواطن، غير أن طبيعة الوساطة تجعلها آلية تصحيحية لاحقة لظهور التعثر، بينما تتطلب المعالجة المستدامة بناء منظومة داخلية للامتثال الإداري تقوم على القيادة والتخطيط والتتبع والقياس وربط المسؤولية بالنتائج.

وانطلاقًا من مقاربة الحكامة، يسعى هذا المقال إلى تحليل حدود مقاربة “الوسيط ” في معالجة تعثر تنفيذ الأحكام القضائية، والدعوة إلى الانتقال من مساءلة الإدارة كشخص معنوي إلى بناء مسؤولية تدبيرية تمكن من الوقاية من التعثر وتعزيز فعالية الأداء الإداري.

الوساطة المؤسساتية: دورها وحدودها في تصحيح اختلالات الإدارة

تمثل الوساطة المؤسساتية أحد التحولات المهمة في علاقة الإدارة بالمواطن، حيث لم تعد الإدارة الحديثة مطالبة فقط باحترام القواعد القانونية، وإنما أصبحت مطالبة أيضًا بالإنصات، وتصحيح الاختلالات، وتحسين جودة الخدمات العمومية.

وفي هذا الإطار، يضطلع وسيط المملكة بوظيفة مهمة باعتباره فضاءً مؤسساتيًا للتوفيق بين المواطن والإدارة، ورصد مظاهر سوء التدبير، واقتراح الحلول التي تعيد التوازن إلى العلاقة بين الطرفين.

وقد أثبتت التجربة العملية أن الوساطة يمكن أن تحقق نتائج مهمة، خصوصًا في الحالات التي يكون فيها سبب النزاع مرتبطًا بسوء فهم، أو ضعف التواصل، أو بطء المساطر، أو غياب التنسيق بين المصالح.

غير أن طبيعة الوساطة تسجل في الوقت نفسه حدود تدخلها. فالوسيط لا يحل محل الإدارة في ممارسة اختصاصاتها، ولا يتولى إدارة مواردها، ولا يملك سلطة إصدار أوامر تنفيذية داخل بنيتها التنظيمية. فهو يمارس وظيفة الإقناع والتوصية والمتابعة، وليس وظيفة القيادة الإدارية المباشرة.

ومن هنا تظهر حدود مقاربة الوسيط عندما يتعلق الأمر بظاهرة ذات طبيعة بنيوية مثل تعثر تنفيذ الأحكام القضائية. فالمشكل لا يكون دائمًا في غياب العلم بالحكم أو بتوصية الوسيط، وإنما قد يكون مرتبطًا بضعف منظومة الامتثال داخل الإدارة نفسها.

نقد اختزال المسؤولية في الإدارة كشخص معنوي

يعتبر تحميل الإدارة مسؤولية تنفيذ الأحكام القضائية أمرًا ثابتًا من الناحية القانونية، باعتبارها الشخص المعنوي الذي صدر الحكم في مواجهته. غير أن هذا المستوى من المسؤولية لا يكفي لفهم الظاهرة أو بناء حلول فعالة.

فالمسؤولية القانونية تجيب عن سؤال: من هو الملزم بالتنفيذ؟

لكن مقاربة الحكامة تطرح أسئلة أعمق:

  • كيف يتم تنظيم عملية التنفيذ؟
  • من يتولى تتبع الملفات؟
  • هل توجد قيادة واضحة لهذا المسار؟
  • هل توجد مؤشرات لقياس الأداء؟
  • هل يتم إدماج الالتزامات القضائية في التخطيط والميزانية؟
  • هل توجد آليات للمساءلة الداخلية عند التأخير غير المبرر؟

إن اختزال المسؤولية في الإدارة كشخص معنوي، وهو الانطباع الذي يتركه تقرير الوسيط والمعالجة الإعلامية لمخرجاته، قد يؤدي إلى إنتاج صورة غير دقيقة مفادها أن الإدارة وحدة واحدة تتحمل المسؤولية بشكل مطلق، بينما الواقع يكشف أن التعثر غالبًا ما يكون نتيجة اختلال في منظومة العمل الداخلية.

فقد يكون السبب:

  • غياب التنسيق بين المصالح.
  • ضعف تدفق المعلومات.
  • عدم تحديد المسؤول عن التنفيذ.
  • غياب البرمجة المالية.
  • ضعف أنظمة التتبع والمراقبة.
  • عدم إدراج الامتثال والانتظام ضمن مؤشرات تقييم الأداء.

وعليه، فإن المقاربة الحكماتية لا تنفي مسؤولية الإدارة، لكنها تعيد تفكيكها. فهي تنتقل من مفهوم المسؤولية المجردة إلى مفهوم سلاسل المسؤولية، حيث يتم تحديد الأدوار، والاختصاصات، ونقاط القرار، ومواطن الخلل. وهذا الانتقال ضروري لأن الهدف ليس فقط تحديد جهة تتحمل اللوم، وإنما بناء قدرة مؤسساتية تمنع تكرار التعثر.

تعثر تنفيذ الأحكام باعتباره مؤشرًا على اختلالات الحكامة الإدارية

إن تنفيذ الأحكام القضائية ليس مجرد عملية تقنية لاحقة للحكم، بل هو اختبار حقيقي لجودة الإدارة. فالإدارة التي لا تتوفر على آليات داخلية لتتبع التزاماتها القانونية والنظامية تعاني من ضعف في منظومة الحكامة، لأن الحكامة تقوم أساسًا على وضوح المسؤوليات، وفعالية التنسيق، والقدرة على القياس والتقييم.

ومن هذا المنظور، فإن تراكم الأحكام غير المنفذة يمكن اعتباره مؤشرًا على وجود فجوة بين الالتزام والأداء. وتظهر هذه الفجوة في عدة مستويات:

  • مستوى القيادة والمسؤولية: غياب مسؤول إداري واضح مكلف بتتبع تنفيذ الأحكام يجعل الملف موزعًا بين مصالح متعددة دون قيادة فعلية.
  • مستوى التخطيط المالي: عدم إدماج الالتزامات القضائية ضمن البرمجة المالية يحول الأحكام من التزامات متوقعة إلى أعباء متراكمة.
  • مستوى الرقابة الداخلية: غياب لوحات قيادة ومؤشرات أداء يجعل الإدارة تكتشف التأخير بعد حدوثه بدل توقعه ومعالجته.
  • مستوى الثقافة التنظيمية: حين لا يعتبر تنفيذ الحكم القضائي نتيجة أداء إداري، يصبح الامتثال مسألة مرتبطة بالمبادرات الفردية بدل أن يكون وظيفة مؤسساتية.
  • نحو منظومة داخلية للامتثال الإداري

    إن تجاوز حدود المقاربة الحالية لا يعني إضعاف دور وسيط المملكة وإنما يؤشر على حدودها البنيوية، و يعني استكماله بمنظومة داخلية تجعل الإدارة أكثر قدرة على احترام التزاماتها.

    وتقوم هذه المنظومة على أربعة مرتكزات أساسية:

  • حكامة المسؤولية: وذلك عبر تحديد مسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، وإنشاء آليات لتتبع تنفيذ الأحكام والتوصيات.
  • إدماج الامتثال ضمن التخطيط الإداري: بحيث تصبح الأحكام القضائية والتوصيات المؤسساتية جزءًا من دورة التدبير، وليس ملفات طارئة.
  • اعتماد مؤشرات قياس الأداء: مثل: نسبة تنفيذ الأحكام داخل الآجال؛ متوسط مدة التنفيذ؛ عدد الملفات المتأخرة؛ كلفة التأخير؛ مستوى تجاوب كل قطاع إداري.
  • تطوير الرقمنة والتتبع الاستباقي: من خلال أنظمة معلوماتية ولوحات قيادة تمكن المسؤولين من رصد التأخير والتدخل قبل تحول الملفات إلى اختلالات مزمنة.
  • خاتمة

    إن تعثر تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة في مواجهة الإدارة لا ينبغي اختزاله في مسؤولية الإدارة كشخص معنوي فقط، لأن هذا الاختزال، رغم صحته القانونية، يظل محدودًا من منظور الحكامة. فالإشكال الحقيقي لا يكمن فقط في وجود التزام قانوني غير منفذ، وإنما في قدرة المنظومة الإدارية على إنتاج الامتثال بصورة مستدامة.

    وقد أثبتت الوساطة المؤسساتية أهميتها باعتبارها آلية لتصحيح الاختلالات وتقريب الإدارة من المواطن، لكنها لا يمكن أن تكون بديلًا عن بناء قدرة داخلية لدى الإدارة على التخطيط والتنفيذ والتقييم. ومن ثم، فإن الرهان الحقيقي يتمثل في الانتقال من منطق البحث عن المسؤول عن التعثر إلى منطق بناء منظومة تمنع التعثر، عبر ترسيخ حكامة المسؤولية، وربط الامتثال الإداري بالنتائج، وتحويل احترام الأحكام القضائية والتوصيات المؤسساتية إلى معيار من معايير جودة الأداء العمومي.

    فالإدارة الناجحة ليست فقط الإدارة التي تطبق القانون عند مراقبتها، وإنما الإدارة التي تجعل احترام القانون جزءًا من طريقة اشتغالها اليومية.

     خبير دولي في الحكامة

    اقرأ المقال كاملاً على لكم