"حزب الله" يطيح فرص تحصين لبنان ضد إسرائيل
يحمل "حزب الله" على رئاسة الجمهورية ويتهمها بالخضوع للمشيئة الأميركية والإسرائيلية، رافضاً المفاوضات المباشرة وما نتج عنها من اتفاق إطار، ومتمسكاً بالسلاح وبقرار مرجعيته الإيرانية في الصراع. لا يحمل الحزب نفسه أي مسؤولية عما أحدثته سياساته من استدراج للاحتلال الذي يستغل الذرائع لتدمير لبنان، فيستعيد الشعارات ذاتها لبناء القدرات وإعادة توازن الردع والاستمرار في رهن لبنان للخارج.
يلتزم الحزب بقرار وقف النار بقرار إيراني، لكنه لا يوافق على صيغة المناطق التجريبية ولا ترك المواقع للجيش اللبناني، بما يعني أن الجنوب سيبقى في حالة توتر أمام اندفاعة إسرائيل الحربية التي تسعى إلى فرض وقائع لإطالة احتلالها للخط الأصفر.
أشعل "حزب الله" حرب إسناد من الجبهة الجنوبية على مرحلتين، الأولى كانت دعماً لغزة أو ما سميت بالمشاغلة، فشنت إسرائيل حرباً على "حزب الله"، كانت كارثية على لبنان، واغتالت السيد حسن نصرالله وعدداً كبيراً من قيادات الحزب وكوادره، ودمرت قرى جنوبية بأكملها، تماماً كما فعلت في غزة حين حولتها أرضاً غير قابلة للحياة. لكن الحزب أعلن عن النصر الذي تحقق في مواجهة إسرائيل، معتبراً أنها عجزت عن تحقيق أهدافها بالقضاء على المقاومة، ليحتفي بـ"النصر" وكأن شيئاً لم يحدث في بنية الحزب والبلاد خلال الحرب الإسرائيلية المدمرة.
عاد "حزب الله" واشعل جبهة الجنوب بإسناد إيران، وهو يدرك أن إسرائيل كانت تنتظر الذريعة للانقضاض على لبنان، فسماها حرباً استباقية من دون أن يقدم على إعادة النظر في سياساته، وكانت النتيجة احتلالاً لمساحة تتجاوز 650 كلم مربعاً ودماراً ونزوحاً، فحوّل معركته ضد الدولة برفضه المطلق لخطة حصر السلاح الذي لم يشكل مظلة حماية للبنان، بعدما أخرج من مقاومة إسرائيل، رغم التضخيات التي قدمها المقاتلون في مواجهة العدوان الإسرائيلي جنوباً. فالحرب الإسرائيلية لا يمكن مواجهتها إلا إذا أعاد الحزب انتسابه إلى الدولة وقرر مساعدتها وتسهيل عمل الجيش، والتخلي عن الرهانات لحسابات إقليمية تتناقض مع مصلحة لبنان.
يستمر "حزب الله" في حالة الإنكار، فلا يستثمر الفرص المتاحة لعودته إلى الحاضنة اللبنانية، أو حتى تلقف يد الدولة الممدودة التي لم يكن لديها خيارات سوى التفاوض لتخفيف الخسائر، ووقف زج لبنان في النار الإقليمية، فحين وقعت على اتفاق الإطار مع إسرائيل، حكمت ذلك موازين قوى مختلة وانقسام داخلي لبناني خطير يرفض معه الحزب التوصل إلى موقف وطني جامع في مواجهة إسرائيل.
أن يستمر "حزب الله" في السياسة ذاتها وفي الرهانات والأوهام التي أغرقت الطائفة وشتتتها واستنزفت لبنان، فإنه ينحر البلاد، في مقابل اصطفافات داخلية، وأن يواصل رهاناته مغلباً تبعيته الإيرانية على لبنانيته، فلا يحسب مصالح اللبنانيين ولا يترك لهم الفرصة لابتكار أساليب مهما طال أمدها للتمكن من إخراج إسرائيل من ارضنا. وإذا كان يرفض اتفاق الإطار، فإنه لا يمكنه الاستمرار في التغريد خارج السياق اللبناني، ولا يمكن أن يستمر بمعركة سلاحه، فإذا سلمه للدولة من خلال تفاهم داخلي، فإن ذلك لا ينتقص من وزن الشيعة، وهو يدرك أن السلاح من دون استقرار للناس في ارضهم، لا قيمة له، فيواصل مكابرته بالتمسك بالسلاح في وجه الدولة، ورهن لبنان لمشيئة إيران التي تعززت على حساب لبنان، الذي تريده أن يبقى ساحة مواجهة مفتوحة لحساباتها.
السؤال دائماً يوجه إلى "حزب الله"، كقوة أدخلت لبنان في ساحة الاشتباك الإقليمي واستدرجت الاحتلال، وعليه قبل أي شيء أن يعيد قراءة سياساته الداخلية والخارجية إذا كان حرصه اللبناني يفوق تبعيته الإيرانية، وعليه أن يكون منفتحاً على خيارات الدولة ويسلم بمرجعيتها التي تعمل على تحديد الخسائر والانخراط في المجال اللبناني لتشكيل مناعة وطنية ووحدة تستعيد الجنوب وتطرد الاحتلال. غير ذلك سيبقى الحزب أسيراً لأوهامه وقوة تابعة للحرس الثوري بما يحمله من انتحار للشيعة ولبنان.
Twitter: @ihaidar62