"حطّاب الذاكرة" جديد الروائي لغتيري
عن منشورات غاليري الأدب، صدرت للكاتب المغربي مصطفى لغتيري رواية جديدة، اختار أن يعنونها بـ”حطّاب الذاكرة”. وتضم هذه الرواية بين دفتيها 101 صفحة من الحجم المتوسط.
تدور أحداث الرواية حول امرأة مقعدة ومحبطة، تقضي جل وقتها وهي تجتر ذكرياتها، التي أضحت رفيقة لها في عزلتها القسرية، في الوقت الذي تتابع بشغف عبر الشبكة العنكبوتية رسائل رجل يبحث عن المواساة، يراسلها ويحكي لها تفاصيل حياته المأساوية، التي بنت جسر المعاناة بينهما؛ لكنها في لحظة ما تنتفض، وتحاول أن تحرق دفتر الماضي وتلقي برماده سمادا في بستان الأمل.
ومن أجواء هذه الرواية، التي تعد الرقم 24 في المسار الروائي للكاتب مصطفى لغتيري، نقرأ: “تطلعت المرأة إلى شاشة الحاسوب، قرأت من جديد ما أرسله الرجل البعيد الذي يشاركها أحزانه وهواجسه وذكرياته. مسحت البيت بنظرة وديعة، كانت بين الحين والآخر تسمح لعينيها بتفقد البيت ولو من بعيد. تطمئن على ترتيبه الذي لا تتنازل عنه، وتقتنص بعض الخلل الذي يحيق به كي توجه المرأة التي تزورها مرة في الأسبوع من أجل أن ترتبه مقابل أجر زهيد. كان البيت قد تبقى لها بعد وفاة والديها، فأضحت المالكة الوحيدة له، فسمح لها ذلك بأن تؤثثه من جديد كما يروق لها ولذوقها، الذي طالما اعتدت به. لجمت عينيها بعد حين، وصوبت بصرها نحو شاشة الحاسوب، ثم ردت:
ـ صباح الخير أيها الرجل الطيب.. أعتذر عن التأخير في الرد.
قالت ذلك ثم تماهت مع الذكرى، وكأن أحداثها حية تعيشها اللحظة.. دوما تستغرب من قدرتها على استحضار الماضي بكل طراوته، حتى أنها تراه كصور حية تتراقص أمام ناظريها..
رأت نفسها تركض في مكان فسيح لا نهاية له، هكذا كانت تعتقد وهي شابة بأن أي مكان يحتويها فهو لا نهائي، ويمكن أن تقضي فيه العمر كله، دون حاجة لغيره. لم تكن منشغلة ببقية العالم. كان المكان الذي يحتويها كافيا، بل تعتبره أحيانا زائدا عن الحاجة. دوما اكتفت بالحيز الضيق الذي تعيش فيه، تركض تلعب، تسعد، تفرح وتحزن، ولا ترى أبعد من ذلك الحيز الضيق الذي ظننته في فترة من حياتها والعالم بأكمله.
أحيانا يخيل إليها أن حياتها جزء من قصة فيلم غير واقعي، تعيش تفاصيله وهي منفصلة عما سواها من الوقائع. كانت في قرارة نفسها تعتقد أن لا وجود لشيء خارج عالمها الصغير الذي يحيط بها، ويحضنها بلطف مبالغ فيه أحيانا. العالم بالنسبة لها هو ما يقع عليه بصرها، وما يمكن أن يستوعبه ذهنها. اعتادت أن لا تشغل نفسها بأبعد من ذلك أبدا. حتى أن صديقاتها حين يتحدثن لها عن مدن أخرى وأماكن بعيدة، لم تكن تحفل بكل ذلك. في نفسها كانت تتساءل: لماذا يحتجن لكل ذلك؟ أليس هذا المكان كافيا ليبني فيه الإنسان حياته؟ كانت تعتبر ذلك نوعا من التبذير غير المرغوب فيه.
في هذا المكان بالضبط، حين كانت تعبث مع صديقاتها في الحديقة القريبة من البيت، اكتشفت بعدا آخر في الحياة. اكتشفت الشوق واللهفة لشيء غامض، وجدت نفسها منشغلة بكل ذلك. لا تدري كيف حدث ذلك. لكنه حدث.
دوما كانت تتساءل هل حضوره الزئبقي هو الذي حرك دواخلها، أم أن الأمر يتعلق بشيء داخلي، انبثق من أعماقها وفرض نفسه على تفكيرها؛ بل سلب إرادتها بشكل لم تتوقعه.
حدث كل ذلك حين انتبهت إلى ذلك الشاب الذي كان يراقبها من بعيد، يتلصص عليها من طرف خفي؛ فيما هي أضحت بعد زمن قصير مدركة لعبته الصغيرة هذه، وكأنها كانت تنتظر على أحر من الجمر حدوث هذا الأمر. كان ما وقع وكأن رمادا خامدا حركته ريح خفيفة، هبت عليه، فتأججت جمرته من جديد، ورفضت أن تنطفئ مهما حاولت إهمالها او التغاضي عنها.
انشغلت بوضعها الجديد، الذي شعرت بأنها كانت في أمسّ الحاجة إليه، وكأنه الشيء الوحيد الذي كان ينقصها لتكتمل الدائرة في أبهى حلتها.. دائرة شخصيتها التي تشكلت ببطء وعلى مهل بعيدا عن أي نوع من الضغوطات، كيف لا وهي وحيدة أسرتها التي حازت رعاية، ونالت كثيرا من الحنان والدلال في تربيتها، فلم يزاحمها أحد في العناية التي حظيت بها.
في تلك الأثناء تحديدا لاحظت أن تغييرات بدأت تحدث بداخلها، حتى أنها أصبح من الصعب عليها التعرف على نفسها. كانت تتساءل مندهشة: هل أنا هي أنا؟ ماذا يحدث لي، وكأنني أكبر بسرعة، وكأن فتاة أخرى تتسلل إلى دواخلي لتحتلها وتطرد تلك الفتاة القديمة التي طالما سكنت هذا الجسد.
الحركات تغيرت والأحلام التي تزورها ليلا أصبحت مختلفة بشكل كبير، وصوتها نفسه أضحى مختلفا، لا تكاد تتعرف عليه حين تنطق بعض العبارات والكلمات.
أصبحت أكثر ميلا إلى الصمت والتأمل. وقد غدت شديدة الحساسية. سرعان ما تنهمر دموعها من عينيها بلا سبب تقريبا، والأهم من ذلك هو أن حنان والديها لم يعد يكفيها.
في قرارة نفسها شعرت بأنها في حاجة ماسة إلى حنان من نوع آخر، يجمع ما بين الدلال والقسوة، يأتيها من رجل لا تربطه به رابطة دم ولا قرابة..
جميع صويحباتها كن يعرفن حقيقة ما يحدث، لقد انتبهن جميعا إلى حركات الشاب وتصرفاتها، فشاركنها في نسج خيوط هذه اللعبة الجميلة التي استهوتهن جميعا، وملأت فراغهن الذي اكتشفنه فجأة.
هكذا على حين غرة انفتح لهن جميعا عالم جديد، جعلهن يسخرن من أنفسهن، ويلمن ذواتهن على السذاجة التي كن يتمتعن بها، فكن ينظرن إلى العالم من منظار طفولي، يملأه صخب الصراخ والركض؛ بينما هناك بعد آخر في الحياة أكثر متعة وجمالا، يجعل الحياة مليئة بالأسرار والكلام الخافت والتخطيط للوصول إلى شيء غامض، لم تتضح لهن معالمه بعد.
هكذا صارت الفتاة مرآة لهن جميعا. وكأن ما يحدث لها هو ما يحدث لهن تحديدا بكل تفاصيله الجميلة والمثيرة، أو لعله يشبه إلى حد كبير ما يمكن أن يحدث لهن قريبا، لقد استشعرن ذلك في دواخلهن وتماهين معه، ولم يساورهن الشك في ذلك قيد أنملة”.
The post "حطّاب الذاكرة" جديد الروائي لغتيري appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.