حول معتقد الأمس القديم ..
بقدر ما يدخل ضمن مسار بحث من رواده الاركيولوجية الفرنسية المتخصصة في بلاد المغاربV. Brouquier-Reddé، بقدر ما يروم سد خصاص نصوص حول معتقد شمال افريقيا القديم، فضلا عن توسيع عناية بالزمن الديني باعتباره زمن ذهنيات، خاصة وأن الدين كان دوما بأثر موجه في حياة وتاريخ المجتمعات. ولعل دراسة الديانة والمعتقد ليس عملا سهلا، نظرا لتشابك معطياته وتشعبها واختلاطها بما هنا وهناك من موروث. وعليه، ما يسجل من زخم معبود قديم وتعايش واغتناء بين هذا وذاك. بل ليس سهلا أيضا اين يمكن إدراج هذا أو ذاك من معتقد ومعبود، في غياب وضوح فاصل شاف بين المعبودات. علما أن مجال الديانة لم يحظ باهتمام الباحثين المغاربة، ذلك أن سواد الدراسات الأعظم الذي توجه بالعناية للموضوع، كتابات أجنبية رغم ما يؤاخذ عليها من نظرة كولونيالية تبقى ذات أهمية، لِما أسهمت به على مستوى تعميق البحث وتراكم المعرفة في هذا المجال.
اشارات وغيرها، استهل بها الأستاذ الباحث في تاريخ المغرب القديم د.عبد العزيز بلفايدة عن كلية العلوم الانسانية والاجتماعية جامعة ابن طفيل بالقنيطرة. تقديما عميقا لمؤلف موسوم ب”المعتقدات الوثنية في شمال افريقيا القديم .. ق 1 م – ق 4 م”، صدر له مؤخرا ضمن طبعة أولى عن مطبعة الرباط نت. مضيفا أن المعقد من اسئلة الموضوع في بعده الشمال افريقي، كان بأثر محفز في دراسته على أساس ما هو أثري ابيغرافي فضلا عن نتائج حفريات. وأنه انطلاقا من بحث أنجزه خلال ثمانينات القرن الماضي لنيل دبلوم الدراسات العليا حول “عبادة المياه في شمال إفريقيا الروماني على ضوء النقائش”، تأكدت أهمية تعميق البحث في هذا الاتجاه، لمعرفة باقي مساحات الدين الأخرى التي تضمنتها النقائش. وعليه، استقر رأيه على دراسة عبادات ومعبودات افريقيا البروقنصلية (تونس القديمة)، من خلال اشكالية استهدفت استجلاء ما ساد المنطقة من معتقدات عبر استقراء النقائش والتعرف على أنواعها. فضلا عن تسليط الضوء على روح الدين عند الأتباع وابراز أشكال العبادة، متسائلا حول هل يتعلق الأمر فيها بعبادات شخصية أم منظمة من قبل السلطة الرومانية، وبالتالي إندراجها في إطار ايديولوجية الامبراطورية الرامية لاستيلاب المواطنين على المستوى العقائدي. مثيرا جملة أسئلة ذات صلة من قبيل هل تأثر الأهالي بعبادة الرومان وحافظوا عليها إلى جانب العبادات الليبية – الفينيقية، أم حافظوا على عباداتهم المحلية الأمازيغية؟. وهل حدث نوع من التوفيقية بين المعبودات الأجنبية والأخرى المحلية ؟، ثم من ساهم في هذه العبادات هل ممثلو الامبراطور (ولاة، موظفون، كهنة..) أم فئات المجتمع المتوسطة والصغرى؟، وكيف كانت تنتظم هذه العبادة على مستوى الولاية أو المدينة ومن كان مشرفا عليها ؟، ثم أين كانت تقام الشعائر والطقوس وما أشكال المعابد التي أقيمت على شرف المعبودات إن الأجنبية أو المحلية ؟
“المعتقدات الوثنية في شمال افريقيا القديم ..”هذا الكتاب الذي تأسس على ببليوغرافيا غنية باللغتين الفرنسية أساسا ثم العربية، يسافر بالقراء والباحثين المعنيين بهذا الحقل من الدراسات والبحث التاريخي، الى عالم وسراديب الدين والديانة والمعتقدات والمعبودات بشمال افريقيا القديم. وقد ارتأى له أبواب أربعة، الأول منها عبر فصول ثلاثة تناول فيها المعبودات ذات العلاقة بالاديولوجية الامبراطورية، من خلال دراسة مختلف أشكال العبادة وتنظيمها إن محليا أو اقليميا، وكذا لدراسة العبادة الرسمية الأخرى المتمثلة في عبادة الثالوث الكابتولي وعبادة الربة روما. فيما خصص الباب الثاني لدراسة المعبودات الاغريقية- الرومانية المرتبطة بالطبيعة والاقتصاد والتجريد، وقد تقاسمته فصول ثلاثة تناول فيها مظاهر الطبيعة خاصة منها عبادة المياه التي كانت تشرف عليها معبودات ذات أصل روماني خصوصا نبتونوس والنامفاي، فضلا عن أرواح محلية شكلت الجنة الرومانية استمراية لها في الفترة الرومانية، اضافة لمعبودات الخصوبة مدرجا ضمنها الربة فينوس والإله بلوتون رغم تخصصهما في مجالات أخرى. الى جانب ما خصصه من حيز لمعبودات ذات وظائف اقتصادية، إن التي جمعت بين وظائف زراعية وغابوية مثل سلفانوس وفونوس وديانا، أو المعبودات الزراعية المحضة مثل تلوس والكريريس وأوبس ولبير باطير. معرجا في هذا السياق على الإله مركوريوس الذي اختص بالمجال التجاري. منتهيا لمعلومات حول معبودات ذات خاصيات تجريدية، وقد تعلق الأمر بتأليه بعض المفاهيم المجردة من قبيل النصر والحظ وتأليه ما يسمى بالروح الشخصية للإنسان أو “الجنيوس” وكذا بعض الأبطال خاصة منهم الأسطوري هرقلس. وكانت المعبودات ذات الوظائف المرتبطة بالصحة والحروب ومجالات أخرى”، هو ما تمحور حوله الباب الرابع للكتاب وقد تفرع الى فصول ثلاثة، خصص الأول منها للحديث عن معبودات الصحة والعلاج خاصة الآلهة أسكولابيوس وأبولون وإيجيا – سالوس، متوجها بعنايته في فصل ثان لكل ما تعلق بالمجال العسكري، الذي كان من اختصاص مارس وجانوس، معالجا في الفصل الأخير المعبودات التي صعب تصنيفها ضمن التيمات المعتمدة. وفي باب رابع أخير للكتاب ناقش المعبودات الشرقية والمحلية عبر فصلين، خصص الأول منها للمعلومات المتعلقة بأنواع العبادات الشرقية (فريجية وكبدوسية وفارسية وسورية ومصرية) والتي ساهم في نشرها التجار والجنود، اما الثاني منهما فقد خصص لدراسة المعبودات الليبية – الأمازيغية.
كتاب”المعتقدات الوثنية في شمال افريقيا القديم ..” للأستاذ الباحث بلفايدة، خلص الى أن دراسة الديانة بهذا المجال مساحة بحث مركبة نظرا لتداخل التأثيرات البونية التي انتشرت في حوض البحر المتوسط منذ الفترة الهلنستية وبين التأثيرات الرومانية، لافتا للموروث الأمازيغي ولِما ورد حول قابلية الروح الأمازيغية لاستقبال التأثيرات الأجنبية والتأقلم مع ثقافات فرضها عليهم التاريخ. مضيفا أن الموقع الجغرافي المتميز لإفريقيا الشمالية شكل مدارا لالتقاء تأثيرات شرق وغرب،، وأن البيئة لم تكن “بلدا عقيما وآهلا بسكان همجيين”، فما حصل من تطور في ميدان علوم ما قبل التاريخ وما قبيل التاريخ، أفاد بوجود شعوب اعتبرت أسلافا للأمازيغ وكانت بقدر كبير من التطور والتدين. مسجلا أنه إذا كانت المنطقة في الفترة القديمة أرضا لاستقبال العديد من المعبودات الدخيلة، فإن أغلبية الأمازيغ كانوا متشبتين بتقاليدهم ومعبوداتهم المحلية. ولعل من جملة من تمت الإشارة اليه في خلاصة الكتاب، كون ميزان القوى لم يكن متكافئا بين الديانة المسيحية والوثنية عند نهاية حكم قنسطنطين، رغم ما تعرضت له المعابد من مصادرات لممتلكاتها وتضييق الخناق عليها ورغم منع تقديم القرابين، استمرت العبادات الوثنية ولم تتخذ التدابير والإجراءات الجذرية في إفريقيا إلا في نهاية القرن الرابع. وأن انهيار الوثنية في مدن إفريقيا الشمالية لا يعني تمسيحا سريعا للبنيات والثقافات والعقليات، حيث ظلت الوثنية مع فترة حكم قنسطنطين ديانة رسمية للدولة حتى نهاية القرن الرابع الميلادي. لتستمر بعض ممارساتها وفق ما أورده ليون الافريقي ( الحسن الوزان) عن موقع عين الأصنام قرب صفرو، حيث احتضان حفلات عرفت بشمال إفريقيا منذ العهد الروماني، فضلا عن عادات ذات علاقة بالماء من قبيل ما يعرف ب” تاغنجة” التي لا تزال حتى الآن، ناهيك عن مغارات وجبال تحولت لخلوات ومزارات كانت توضع بها نذور ونصب تكريما لساكنها من الجن بحسب المعتقد.
يُذكر أن الأستاذ بلفايدة صاحب كتاب” “المعتقدات الوثنية في شمال افريقيا القديم ..”، هو أستاذ للتعليم العالي عن جامعة ابن طفيل بالقنيطرة،وأحد الباحثين المغاربة المختصين في تاريخ بلاد المغارب القديم، بحوزته في هذا الحقل باللغتين الفرنسية والعربية رصيد مؤلفات ومساهمات عدة بقدر كبير من الأهمية، ناهيك عن عشرات المقالات العلمية المحكمة المنشورة هنا وهناك بعدد من المجلات. ولعله أحد أعلام درس التاريخ الجامعي لعقود من الزمن، وأحد اقلام الجامعة المغربية في زمنها الذهبي التي تجندت منذ ثمانينات القرن الماضي لقراءة زمن المغرب والمغارب القديم بحثيا وفق نهج علمي وتوثيق. وقد راكمت ما راكمت من نصوص بقدر ما طبعها من اعتبارات أكاديمية، بقدر ما استهدفت من تنوير وتصحيح واضافة وإغناء، فضلا عن وضع أبحاث دارسين أجانب تحت المجهر. دون نسيان والشيء بالشيء يذكر كما يقال، أن ما يحسب للأستاذ بلفايدة كونه أول من فتح ورش البحث حول زمن وذاكرة المغرب وبخاصة منها ذاكرة وارشيف مجال كرة القدم الوطنية، بحيث صدر له في هذا الاطار كتاب من جزأين سنة 2007، جرد فيه بعضا من تاريخ المغرب الرياضي الراهن، مستحضرا ما كان منذ نهاية خمسينات القرن الماضي من حضور وصدى بطولة وطنية وكأس عرش وبطولة عربية وافريقية … علما أن الأستاذ بلفايدة الباحث في التاريخ هو أخ المرحوم عزوز بلفايدة اللاعب الايقونة وذاكرة المغرب الرياضي، والذي لعب لسنوات وسنوات في صفوف فريق الجيش الملكي منذ تأسيسه، وعليه يعد ذاكرته ومن خلاله ذاكرة المنتخب الوطني ايضا. ليبقى ختاما كتاب بلفايدة الذي رأى النور مؤخرا معززا نصوص الخزانة المغربية وقد استهدف “المعتقدات الوثنية في شمال افريقيا القديم..”، نصا بحثيا بقدر كبير من الأهمية والقيمة المضافة، وكذا مرجعا رصينا لفائدة الباحثين حول زمن المغارب القديم، لِما تأسس عليه من إشكال وطرح وتوثيق وأرشيف ونهج مقاربة.
رئيس مركز ابن بري للدراسات وحماية التراث