خان المدلل للتحف والأنتيكات البغدادية: هنا غنّت أمّ كلثوم (صور)
عند مدخل خان المدلل، يدقّ أحد الباعة على ساعة نحاسية عتيقة ليختبر صوتها، فيما ينفض آخر الغبار عن جهاز راديو ألماني يعود إلى خمسينيات القرن الماضي. وعلى رفوف الدكاكين تتجاور الساعات الجدارية، والهواتف السلكية، والآلات الموسيقية القديمة، وأطقم الخزف الفاخرة، في مشهد يبدو أقرب إلى متحف حيّ منه إلى سوق تجارية. هنا، لا تُعرض للبيع مجرد مقتنيات قديمة، بل تتبدى أمام ناظريك ذاكرة مدينة كاملة تحاول أن تقاوم النسيان.
يقع خان المدلل في منطقة الميدان، بالقرب من مبنى القشلة (السراي القديم)، ويُعدّ أحد أبرز الخانات التراثية في بغداد. وتعود ملكيته إلى عائلة المدلل البغدادية المعروفة، فيما تمتد جذوره إلى بدايات القرن العشرين، وإن كان قد شهد تحولات متعاقبة غيّرت وظيفته وشكله عبر العقود.
ولم تكن الخانات في بغداد مجرد أماكن لإقامة المسافرين، بل شكّلت على مدى قرون جزءاً أساسياً من الحركة التجارية في المدينة. فقد استقبلت القوافل القادمة من بلاد الشام والأناضول وإيران والخليج، ووفرت للتجار أماكن للمبيت ومستودعات للبضائع وإسطبلات للدواب، قبل أن يتراجع دورها مع تطور وسائل النقل وتغيّر أنماط التجارة. وبينما اندثرت بعض الخانات أو تبدلت وظائفها، حافظ خان المدلل على حضوره من خلال تجارة التحف والأنتيكات، ليصبح أحد أبرز الشواهد على ذاكرة بغداد الاجتماعية والثقافية.
محطات في سيرة الخان
في بداياته، كان الخان أشبه بفندق أو محطة استراحة للتجار والمسافرين القادمين إلى العاصمة. وفي ثلاثينيات القرن الماضي، خلال العهد الملكي، تحول إلى مقهى وملتقى ثقافي استضاف شخصيات فنية وأدبية بارزة، من بينها أم كلثوم التي أحيت فيه حفلاً خاصاً عام ١٩٣٢. وفي ثمانينيات القرن الماضي اتخذ مساراً جديداً، ليصبح سوقاً متخصصاً بالتحف والأنتيكات، قبل أن يخضع لعملية ترميم نفذتها أمانة بغداد عام 1992، وهي المرحلة التي رسمت ملامحه الحالية.
ويأخذ التجوال بين دكاكين الخان الزائر في رحلة عبر البيوت البغدادية القديمة، حيث تصطف قطع أثاث وأدوات منزلية كانت يوماً عنواناً للذوق الرفيع. وتتنوع المعروضات بين أجهزة راديو ألمانية وسويسرية الصنع، وأطقم خزف ملكية فاخرة، وساعات جدارية عتيقة، وآلات موسيقية قديمة، فضلاً عن الهواتف السلكية التي كانت جزءاً أساسياً من المنازل العراقية خلال سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته.
ويشير أصحاب المحال إلى أن مصطلح "الأنتيكة" يُطلق عادة على القطع التي يراوح عمرها بين خمسين ومئة عام، فيما تزداد قيمة القطعة كلما ارتبطت بتاريخ أقدم أو كانت أكثر ندرة وجودة وحفاظاً على حالتها الأصلية.
تعبير عن الذوق والهوية
ويقول الكاتب كفاح الأمين لـ"النهار"، وهو أحد رواد الخان، إن التحف ليست مجرد مقتنيات تراثية، بل وسيلة للتعبير عن الذوق والهوية والثقافة. ويضيف أن اقتناء هذه القطع يعكس شخصية صاحبها وارتباطه بالجمال والتاريخ، إلا أن الخان لم يعد كما كان في السابق، نتيجة الإهمال الذي تعرض له خلال السنوات الماضية، فضلاً عن تراجع الاهتمام باقتناء القطع النادرة.
من جهته، يقول فريد الطائي، الكاتب وصاحب أحد محال بيع الأنتيكات، لـ"النهار"، إن الإقبال على شراء هذه المقتنيات أصبح محدوداً، في ظل هيمنة أنماط الحياة الحديثة وتغيّر أذواق الأجيال الجديدة، موضحاً أن معظم الزائرين يكتفون اليوم بمشاهدة القطع وتصويرها، فيما تبقى حركة البيع أقل بكثير مما كانت عليه في السابق.
ويؤكد الطائي أن أسعار القطع تختلف بحسب عمرها الزمني وندرتها وحالتها، سواء كانت سجاداً قديماً، أو أواني نحاسية، أو ساعات، أو أثاثاً منزلياً، إذ لا تخضع لقائمة أسعار ثابتة، بل لقيمتها التاريخية والفنية.
ورغم هذه التحديات، لا يزال خان المدلل يحتفظ بمكانته بوصفه واحداً من أبرز المعالم التراثية في بغداد، حتى أُدرج ضمن دليل السائح باعتباره محطة أساسية لزوار العاصمة. ويواصل أصحاب المحال فتح أبوابهم يومياً لاستقبال العراقيين والسياح، رغم المخاوف من إزالة الخان أو تحويله إلى مشروع استثماري قد يفقده هويته التاريخية.
ولم يعد خان المدلل مجرد سوق لبيع التحف، بل غدا متحفاً مفتوحاً يحتفظ بذاكرة مدينة كاملة. فكل ساعة متوقفة، وكل راديو صامت، وكل هاتف أسود كان يوماً جزءاً من بيت بغدادي، يستحضر جانباً من تاريخ بغداد، ويذكّر بزمن كان فيه الذوق جزءاً من هوية المدينة، قبل أن تبتلعه سرعة الحياة الحديثة.