خبراء بالرباط يطالبون بحكامة عادلة للمعادن الحيوية في دول الجنوب
في وقت يتسارع فيه الطلب على المعادن الحيوية (أو الحرجة) اللازمة لإنجاح الانتقاليْن الطاقي والرقمي، تجد الدول المنتجة في الجنوب العالمي نفسها في “قلب سلاسل قيمة استراتيجية جديدة”، إلا أنها رغم ذلك “غالبا ما تظل في معزل عن عمليات صنع القرار”؛ ذلك ما نبّهت إليه نقاشات جلسة محورية استقبلها مدرج مركز الندوات بجامعة “UM6P” بالرباط مساء اليوم الجمعة.
وفي سياق تشغل فيه المعادن الاستراتيجية حيزا متناميا في المناقشات متعددة الأطراف، لا سيما في ظل الرئاسة الفرنسية لمجموعة السبع (G7) في عام 2026، اكتشفت هذه الجلسة النقاشية رفيعة المستوى، التي التأمت بالتعاون مع أعضاء “المجلس العالمي لمعادن الانتقال المسؤولة” (Global Council for Responsible Transition Minerals)، “كيفية وضع ‘الجنوب العالمي’ في مَركز سلاسل قيمة معدنية مرنة ومستدامة”.
ومن خلال جمع رؤى وتطلعات نظرت للموضوع من زوايا متنوعة: ممثلي الحكومات، وقطاع الصناعة، والمنظمات الدولية، ناقش المتحدّثون، بحسب ما تابعته هسبريس، سبُل وإمكانات “التوفيق بين أمن الإمدادات وتحقيق عوائد قيمة عادلة”، فضلا عن إلقاء مزيد من الضوء على دور التعاون بين بلدان الجنوب، فيما امتدت النقاشات إلى “المسارات الممكنة نحو صياغة بنية حكامة عالمية مشتركة لما صار يُعرف بالمعادن الانتقالية (الحيوية)”.

الابتكار لمرونة السلاسل
أمين حسيم، المدير العام لشركة “InnovX”، قال: “إننا نشهد اليوم تحولات مزدوجة في مجالي العمليات التشغيلية والتجارة الدولية، وهو ما يبرز الأهمية البالغة للمعادن الأساسية الحيوية في استقرار سلاسل القيمة. ولمواجهة المخاطر المستجدة والتكيف مع الاحتياجات الإقليمية المختلفة، أصبح الابتكار المستمر ضرورة حتمية لضمان مرونة هذه السلاسل”.
وتلعب التكنولوجيات الحديثة، بحسب المتحدث ضمن الجلسة ذاتها، “دورا محوريا في خلق قيمة مضافة حقيقية من هذه المعادن، وخيرُ دليل على ذلك هو قطاع بطاريات المركبات الكهربائية”؛ إذ تتجلى الأهمية الاستراتيجية للفوسفات وأكاسيد الحديد في صناعة بطاريات LFP”.
وخلص إلى “أننا بحاجة ماسة إلى بناء منظومة بيئية مرنة ومتكاملة تشمل أطرافا متعددة. وفي هذا الصدد، نعمل ضمن مشروع في شركة ‘Innovx’ على إنتاج مادة الفلور، التي تُعد مكونا رئيسيا في إلكتروليتات البطاريات، مؤكدين على ضرورة ابتكار حلول مستدامة تعود بالنفع على جميع الفاعلين في هذه المنظومة”.

تجاوز نماذج الاستخراج
بدوره، أبرز عادل الشيخي، المدير الإقليمي رئيس قطاع الشركات في إفريقيا لدى البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية (EBRD)، أن “التوجه الحالي للبنك يتجاوز تماما النماذج الاستخراجية التقليدية القائمة على التعدين فقط، حيث نضع في مقدمة أولوياتنا تطوير منظومات بيئية متكاملة وسلاسل توريد مستدامة”، مبرزا أن تركيزهم التمويلي “ينصب بشكل أساسي على عمليات ‘إضافة القيمة’، والتكرير، والمعالجة داخل الدول المنتجة، بدلا من الاقتصار على أنشطة التعدين والاستخراج”.
وأضاف: “نؤمن بأن تطوير البنية التحتية القوية والعمل على الحد من مخاطر المشاريع (De-risking) هما الركيزتان الأساسيتان لجذب رؤوس الأموال من القطاع الخاص، وهو ما يضمن توطين هذه المشاريع ودمجها بفعالية داخل الاقتصادات المحلية لتحقيق تنمية مستدامة”.
وبحسب عضو المجلس العالمي للانتقال المسؤول للمعادن، غلين مبوفاني، “تكمن الأولوية القصوى في قطاع المعادن الحيوية في ضمان تدفق مستمر وغير منقطع للمواد عبر سلاسل الإمداد، بالتوازي مع تحقيق توزيع عادل ومنصف للمنافع المشتركة بين جميع الأطراف”.

و”رغم وجود تحديات ملموسة وتناقضات واضحة على طول سلسلة القيمة”، أقرّ المتحدث عينه بأن “تجاوزها يتطلب اعتماد أنظمة حوكمة متعددة المستويات. إننا بحاجة ماسة اليوم إلى فتح نقاش جاد على مستوى عالمي لمعالجة هذه التحديات الهيكلية، بما يضمن أمن وكفاءة النظام بأكمله واستقراره على المدى الطويل”.
“سباق نحو القاع”
نبه عدد من المتدخلين إلى أن ثمّة “مخاوف حقيقية وجدّية من الانزلاق نحو ‘سباق نحو القاع’ (Race to the bottom) في معايير هذا القطاع”، وهو ما يستدعي “تبني تدابير صارمة لتقييم الأثر ووضع آليات تخفيف فعالة لضمان أن تصب هذه التحولات الطاقية في مصلحة العمال والمجتمعات المحلية المحيطة بمناطق الإنتاج”.
لضمان نجاح هذه التدخلات وجعلها ذات مغزى وأثر ملموس على أرض الواقع، نادى المتحدثون المتخصصون في قطاع التعدين بـ”توفير التمويل اللازم بالحجم والسرعة المطلوبة لمواجهة هذه التحديات الاجتماعية والبيئية المتسارعة”.

وضمن فعاليات الجلسة، أشار الخبير البيئي الصيني البارز ما جون (Ma Jun)، المدير المؤسس لمعهد الشؤون العامة والبيئية (IPE) في بكين، إلى أننا نشهد حاليا “تطورا ملحوظا ونوعيا في أداء وسلوك الشركات الصينية التي تعمل في الخارج، حيث أصبحت تولي اهتماما متزايدا ومتوافقا مع متطلبات الحكامة البيئية والاجتماعية والمؤسسية (ESG)”.
وشدد على أن “الإفصاح المؤسسي لم يعد خيارا، بل هناك حاجة ماسة لتقديم بيانات دقيقة، تفصيلية وقابلة للتحقق بشكل مستمر. وفي هذا السياق، تلعب التكنولوجيات الحديثة دورا حاسما في تعزيز مستويات الشفافية وتوفير الأدوات اللازمة لتمكين المجتمعات المحلية وحفظ حقوقها”، بتعبيره.
The post خبراء بالرباط يطالبون بحكامة عادلة للمعادن الحيوية في دول الجنوب appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.