خبراء يدعون إلى تشديد العقوبات والوقاية للحد من تشغيل الأطفال بالمغرب
بمناسبة اليوم الدولي لمكافحة عمل الأطفال، الذي يُحتفل به في الـ12 يونيو من كل عام، يتجدد الاهتمام بقضية تشغيل الأطفال التي مازالت تستنزف طفولة الآلاف في المغرب، خاصة خلال العطلة الصيفية التي تتفاقم فيها هذه الظاهرة بشكل لافت، إذ يتحول هذا الموسم إلى فرصة لدى بعض الأسر لتشغيل أبنائها في أعمال موسمية وهشة، بحجة “استثمار الوقت” أو “تعلم المسؤولية”، بينما تتحول هذه الممارسات في كثير من الأحيان إلى استغلال اقتصادي يحرم الأطفال من حقهم في الراحة واللعب والتعليم، ما يربك توازنهم النفسي والاجتماعي.
وحسب أحدث أرقام المرصد الوطني لحقوق الطفل مازال هناك أكثر من 100 ألف طفل بالمغرب يمارسون أنشطة اقتصادية، 87.7 في المائة غادروا مقاعد الدراسة، وحوالي 62 ألفًا يتعرضون لأشغال خطيرة، مبرزًا أنه “رغم استمرار هذه الظاهرة فإن الجهود المبذولة في مجال حماية الطفولة بدأت تؤتي ثمارها، إذ سجلت المعطيات انخفاضًا بنسبة 8.2 في المائة مقارنة بسنة 2023”.
ترسانة قانونية غير كافية
في هذا الصدد قال عبد الله السوسي، رئيس مؤسسة “أمان” لحماية الطفولة في المغرب: “إن الترسانة القانونية المرتبطة بمحاربة تشغيل الأطفال تشوبها عدة إشكالات؛ فمن جهة يفتقر مفتش الشغل إلى الآليات الكفيلة بانتشال الأطفال من وضعية الشغل، ومن جهة أخرى فإن الغرامات التي ينص عليها قانون الشغل تظل هزيلة جداً، ولا تتناسب مطلقاً مع جرم تشغيل طفل في سن مبكرة”.
وأكد السوسي، في تصريح لهسبريس، أن “تشغيل الأطفال مرفوض شكلاً وموضوعاً؛ فمكان الطفل الطبيعي هو المؤسسة التعليمية، ليحيا حياة كريمة، خاصة أن نموه النفسي والاجتماعي لم يكتمل بعد، وبالتالي فإن أي تشغيل له في هذه المرحلة يعد استغلالاً لوضعيته الهشة”، وزاد: “ورغم أن القانون منع تشغيل الأطفال في لائحة معينة من المهن دون سن معينة إلا أن الأصل السليم هو ألا يشتغل الطفل نهائياً، وأن يظل في كنف محيطه الأسري”.
وأشار المتحدث ذاته إلى “ضرورة تكثيف العمل مع الأسر عبر التوعية الإعلامية وفي المؤسسات التعليمية، لتوضيح الخطأ الذي يقع فيه بعض الآباء الذين يظنون خطأً أن إرسال أبنائهم للعمل يشكل ربحاً لهم، في حين أنه يمثل خسارة كبيرة بحرمان الطفل من مساره الطبيعي ومن مستقبله الذي كان ليعود بنفع أكبر”، مشدداً أيضاً على “أهمية تعزيز التنسيق بين المؤسسات المعنية، ولا سيما بين النيابة العامة ومفتشية الشغل، لاتخاذ الإجراءات القانونية والزجرية اللازمة، إلى جانب التنسيق مع قطاعات الرعاية الاجتماعية كالتعاون الوطني ومركز حماية الطفولة لتقديم الدعم الاجتماعي والنفسي للطفل”.
وأضاف الفاعل المدني نفسه أن “الاعتماد الحالي ينصب كلياً على المقاربة الزجرية، وهي مقاربة لا تعطى نتائج إيجابية بمفردها، بل يجب أن تُدعم بمقاربات استباقية وقائية واجتماعية”، موردا أن “هناك إشكالاً في رصد هؤلاء الأطفال، إذ تظل الأرقام الرسمية هزيلة جداً ولا تعكس الواقع الحقيقي، نظراً لغياب آليات رصد قوية، خاصة في الأقاليم الفلاحية مثل تارودانت واشتوكة آيت باها، حيث تنشط ظاهرة نقل الفتيات القاصرات عبر شاحنات ‘البيكوب’ للعمل في الضيعات؛ ما يستوجب تدخلاً حازماً لوقف هذه الظاهرة، وتوفير آليات دقيقة لتحديد أعداد هؤلاء الأطفال وأماكن تواجدهم لضمان التدخل الفعال لإنقاذهم”.
توازن نفسي واجتماعي
في سياق متصل أوضح محمد حبيب، أخصائي اجتماعي ونفسي، أن “تشغيل الأطفال يشمل كل عمل أو نشاط اقتصادي يمارسه الطفل دون السن القانونية، أو في ظروف تعرض صحته، تعليمه، أو نموه الجسدي والنفسي والاجتماعي، للخطر، وذلك وفقاً للتعريفات المعتمدة من قِبل منظمة العمل الدولية”، مبرزاً أنه “لا يمكن تصنيف كل عمل يقوم به الطفل كتشغيل محظور، إذ يجب التمييز بين المساعدة البسيطة والمحدودة داخل النطاق الأسري بما يناسب سن الطفل، وبين التشغيل الذي يؤثر سلباً على دراسته وصحته ونموه”.
وأضاف حبيب، في تصريح لهسبريس، أن “هناك أشكالاً تعد الأخطر في منظومة تشغيل الأطفال، ومنها الاستغلال الاقتصادي عبر التسول المنظم، والاتجار بالأطفال، والعمل القسري في الورشات الميكانيكية والحرفية والعمالية، بالإضافة إلى الاستغلال الجنسي المرتبط بالأنشطة السياحية، والأعمال الخطيرة التي تُمارس ليلاً أو نهاراً”، وزاد: “تترتب على هذه الأنشطة آثار نفسية واجتماعية جسيمة، تبدأ بالحرمان من التعليم والانقطاع المبكر عن الدراسة، وتصل إلى الإرهاق الجسدي والإصابات المهنية داخل ورشات لا تتناسب مطلقاً مع بنية الطفل؛ كما تؤدي إلى إصابته بالقلق، والخوف، والاكتئاب نتيجة تحمله مسؤولية إعالة الأسرة في سن مبكرة تقل عن السن القانوني، ما يساهم في تكريس معضلة الفقر وإعادة إنتاج الهشاشة الاجتماعية عبر الأجيال”.
وعزا المتحدث ذاته أسباب تفشي هذه الظاهرة إلى “عوامل متعددة تختلف باختلاف المناطق والفئات الاجتماعية، أبرزها الفقر والهشاشة الاقتصادية، والتفكك الأسري، وغياب الرعاية، والهدر المدرسي الذي يدفع الأسر للتعسف في تشغيل أطفالها”، مشيراً إلى “دور بعض التمثلات والثقافة الشعبية السائدة التي تبرر العمل المبكر للأطفال، فضلاً عن تأثير الهجرة، والنزوح، والأزمات الاجتماعية داخل المجتمع”، وتابع: “أما من الناحية القانونية في المغرب فقد حددت مدونة الشغل السن القانونية للتشغيل في 15 سنة، وفرضت حماية خاصة للقاصرين بمنع تشغيلهم في الأعمال الخطيرة”.
وخلص الأخصائي الاجتماعي نفسه إلى أن “الطفل يحتاج في مقامه الأول إلى التعليم، والتعلُّم، واللعب، والترفيه، والحماية، والرعاية، وذلك لبناء شخصيته وصقل مهاراته الاجتماعية؛ وهي حقوق يُحرم منها تماماً عند تشغيله أو استغلاله قسرياً، حيث يتحول إلى عامل قبل أوانه، ويُحمَّل مسؤوليات تفوق قدراته النمائية، ما يؤثر بشكل مباشر وخطير على توازنه النفسي وعلى مستقبله المهني والاجتماعي”.
The post خبراء يدعون إلى تشديد العقوبات والوقاية للحد من تشغيل الأطفال بالمغرب appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.