خرجنا في إجازة... ولم يخرج العمل من رؤوسنا
عقولنا التي اعتادت الإشعارات، ورسائل البريد الإلكتروني، والاجتماعات الصباحية، ومجموعات "الواتساب" التي لا تنام... كيف يمكنها أن تقتنع بأن للجسد حقاً في الراحة؟
صحيح أن الإجازة حق يكفله القانون، لكن كما يقول المثل: العمر ينتهي والعمل لا ينتهي. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ما زال بالإمكان الانفصال عن العمل خلال العطلة؟ أم أن علاقتنا به أصبحت أشبه بعلاقة سامة، نحاول الهروب منها، لكنها تجدنا حتى على شاطئ البحر؟

ولن أذهب بعيداً بالنظريات، لأنني أنا نفسي أشعر بالذنب كلما قدّمت طلب إجازة، وكأن التوازن الكوني في الشركة يعتمد عليّ، أو كأنني آخر جندي يحرس المملكة، وإذا غبت يومين فستنهار الإمبراطورية. وطبعاً... لا تنهار.
لكن الذي ينهار هو قدرتي على الاسترخاء. فما إن تبدأ الإجازة حتى أجد نفسي أفتح البريد الإلكتروني "بس لأتأكد"، وأتفقد مجموعات العمل "بدقيقة"، وأقرأ المهمات الجديدة "من باب الفضول". فجأة، تتحول الإجازة إلى عمل من دون دوام رسمي، وأعود منها أكثر إرهاقاً مما كنت قبلها.
وعندما اكتشفت أنني لست الوحيدة التي تفعل ذلك، شعرت براحة غريبة. يبدو أن الإجازة نفسها أصبحت مصدراً جديداً للضغط النفسي.

لماذا نعجز عن الانفصال عن العمل؟
توضح الاختصاصية النفسية إليسا رشدان أن العطلة صُممت أساساً لاستعادة الطاقة، لكن الاتصال الرقمي المستمر جعل الانفصال الحقيقي أكثر صعوبة. فالكثيرون يغادرون مكاتبهم، لكن عقولهم تبقى معلقة بالرسائل، والبريد الإلكتروني، والإشعارات التي لا تتوقف، ما يحرمهم الفائدة النفسية الحقيقية للإجازة.
ومن منظور علم النفس، لا تكفي تذكرة السفر أو تغيير المكان حتى نشعر بالراحة. فهناك مفهوم يُعرف بـ"الانفصال النفسي" (Psychological Detachment)، ويعني التوقف موقتًا عن التفكير في العمل وضغوطه. وتشير الدراسات إلى أن هذا الانفصال يساعد على خفض مستويات التوتر، وتحسين المزاج والتركيز، واستعادة الطاقة الذهنية.

كما تفسر "نظرية استعادة الانتباه" (Attention Restoration Theory) السبب الذي يجعلنا نشعر بتحسن عندما نبتعد عن الشاشات ونقضي وقتاً في الطبيعة أو في أنشطة هادئة. فالدماغ، مثل أي عضلة، يحتاج إلى فترة راحة من التحفيز المستمر حتى يستعيد قدرته على التركيز.
ومن هنا انتشر مفهوم الديتوكس الرقمي (Digital Detox)، الذي يدعو إلى تقليل استخدام الهواتف والأجهزة الإلكترونية خلال الإجازة. لكن الفكرة ليست رمي الهاتف في البحر أو الاختفاء عن العالم، بل وضع حدود صحية للعلاقة معه. فلا أحد يطلب منك أن تعيش أسبوعاً كأنه عام 1995، لكن ربما ليس من الضروري أيضاً أن ترد على بريد إلكتروني وأنت ترتدي ملابس السباحة.

الإجازة الحقيقية تبدأ عندما يرتاح العقل
في النهاية، نجاح الإجازة لا يُقاس بعدد الصور التي نشرناها، ولا بعدد الأيام التي ابتعدنا فيها عن المكتب، بل بقدرتنا على العودة ونحن أكثر هدوءاً، وأكثر طاقة، وأقل رغبة في تفقد البريد الإلكتروني... كل خمس دقائق.
ربما حان الوقت لنعيد احترامنا إلى أجسادنا وعقولنا، وأن نتذكر أن الإجازة ليست مرادفاً للسفر أو حجز تذكرة طائرة. أحياناً، تكون الإجازة الحقيقية في صباح هادئ من دون منبّه، أو فنجان قهوة مع الوالدة، أو جلسة طويلة مع العائلة، أو حتى ساعات نقضيها مع أنفسنا بعيداً من الإشعارات التي لا تتوقف.